جريدة صوت الأمة
29 / 11 / 2004
عندما يصبح التوكل على الله مجرد حالة غيبوبة
العبارة الجاهزة لنستخدمها ى تفسير الكوارث و المصائب و الفشل الرسمي و الحكومي في تحقيق الرفاهية : " إنه غضب من الله " . . يقع الزلزال . . نتعرض لموجه من الإرهاب . . يرتفع سعر الدولار . . تنخفض قيمة العمله المحلية . . نسقط في بئر هزيمة يونيو . . فلا نملك سوى تلك العبارة التي أصبحت ختما مثل ختم النسر , نضعها على كل ما يجرى لنا : " إنه غضب من الله " . . و لو كان ذلك صحيحا . . فهل يرضى الله على الولايات المتحدة لو تفوقت على العرب و احتلت العراق ؟ . . هل يرضى الله على اليابانيين عندما يصلون بدخل الفرد إلى أعلى مستوى ؟ . . هل يرضى الله على تونى بلير لو نجح في سياساته الداخلية ؟ .
إن الله ليس حدادا يصنع السيوف التي نقاتل بها . . و ليس وزيرا للما ليه يضع السياسات العاجلة لتعويض تهرب الناس من الضرائب . . و ليس وزيرا للعمل عليه أن يعاقب المقصرين في أداء عملهم و التكاسل في القيام بها . . الله سبحانه و تعالى لا يعاقبنا على ما نفعله بأنفسنا . . إننا الذين نعاقب أنفسنا على ما تجنيه عقولنا و أيدينا . . لو أصابتنا حسنه فمن الله . . ولو أصابتنا سيئه فمن أنفسنا . . هذا قانون سماوي إلهي . . يجب ألا ننساه .
لقد كان سيدنا عمر بن الخطاب إماما عادلا و كان الإسلام في وقته سليما صحيحا و كان المسلمون لا يزالون في قمة إيمانهم و رغم ذلك وقعت المجاعة في عهده و جف الزرع و الحرث و تعطل حد السرقة . . فهل كان ما حدث نتيجة إهماله في أداره شئون الأمة أو نقص في ورعه و تقواه ؟ . . و شهد المسلمون في عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز رخاء لم يشهدوا مثله من قبل . . فهل كان ذلك دليل فطنه و خرقا للعاده ؟ . . هل كانت السماء تسانده . . ولم تفعل الشيء نفسه مع سيدنا عمر بن الخطاب ؟ .
إن القضية ليست قضية صلاح عمر بن عبد العزيز . . و لا إهمال سيدنا عمر بن الخطاب . . ليست شطارة بوش . . و لا شدة إيمان من البوذيين في الصين و اليابان . . القضية كلها تتعلق بعامل مساعد خارجي يتعلق بالأراده الإلهية . . الله سبحانه و تعالى هو مالك الكون كله و موزع الأرزاق . . لا أحد يسأله عما يفعل . . هو حر في أن يوزع ما يملك على أكثر الناس فسادا . . و لا يمنح شيئا لأكثر الناس ورعا . . ربما نتعرض لكارثة رغم صلاح الحاكم و الرعية . . و ربما العكس تماما . . يقول الله سبحانه و تعالى : " و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " . . هنا مشيئة الله واضحة في كل ما يحدث . . و يقول سبحانه و تعالى : " و لنبلوكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشر الصابرين . . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمه و أولئك هم المهتدون " . . لم يقل نقص في الأموال و النفس و الثمرات . . قال نقص من . . أي نقص في القيمة و ليس في الكميه .
و المقصود أن المشيئة الإلهية هي العنصر الغائب في مناقشة الأزمات التي نعانى منها . . لا نقول حلها يا دكتور عاطف عبيد . . فمعنى ذلك أن الأزمة بيده هو وحده . . و كأن الشعب ينتج و يعمل و يكد و يسهر على رزقه . . كأن الناس عملت ما عليها . . ليكون الحل في يد الحكومة . . و حتى لو كان الناس تعمل ما عليها و الحكومة أيضا فإن هناك أشياء قدريه سماوية خارجه عن إرادة الجميع . . مثل الكوارث الطبيعية و المتاعب السياسية الخارجية . . و هذه هي العامل الخفي الذي لا نستطيع إنكاره أو تجاهله . إن من الممكن أن نبنى مساكن شعبيه ليسكن فيها الناس إذا وقع زلزال . . لكن ماذا لو حدث أن الزلزال قد هدم هذه المساكن أيضا ؟ . . هنا يأتى العامل السماوي الخفي آذى لا نضعه في الحسبان . . هذه ليست دروشه بالمعنى الدارج . . و إنما توكل بالمعنى الصحيح للتوكل . . إن الورقة التي نكتب عليها يجب أن تكون حقيقة قائمه . . يجب أن توجد حتى نستكمل عملية الكتابة . . إن توافر قلم و حبر و كاتب لا يكفى . . الورقة دهى عنصر الاعتماد على الله .
هذا ليس عيبا . . هناك عنصر يجب أن نتركه لله . . و مره أخرى هذا ليس توكلا بالمعنى الخاطئ الشائع . . فالتوكل الصحيح في الإسلام هو اتخاذ الأسباب و قبول النتائج و الرضا بها . . فإن حصل ما لا يرضى فلتكن الزيادة في التوكل . . فنتخذ المزيد من الأسباب . . مثلا . . لو بنينا بيوتا لمواجهة الزلزال الذي تعودنا عليه فنرضى بما قدر الله ثم نبحث في الأسباب الجديدة و نبنى بيوتا حديثه تواجه الزلزال الأشد . . و في الوقت نفسه نسعى بكل الطرق العلمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الأنقاض فإن فشلنا في إخراج البعض أحياء تقبلنا ما قدر الله و قبلنا بالنتائج و دفنا الموتى . . إن علينا أتحاذ الأسباب . . لكن علينا في الوقت نفسه لا نفرض نتائج على الله . . و لا ننسى المسبب . . علينا أن نتقبل النتائج مهما تكن بعد أن نكون قد فعلنا ما علينا . . ثم لا أتخذ الأسباب في مرحله و أتركها في مرحله تاليه . . فالله طلب منا أن نفكر و ندبر , نستعد و نخطط و نكون أمناء و محترمين , فإذا ما جاءت الكارثة نرضى و نصبر . . و نتخذ المزيد من الأسباب . . نستمر في اتخاذ الأسباب لكن دون الاعتراض على النتائج التي يقدرها الله .
يقول سبحانه و تعالى : " أفرئيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون " . . نحن الذين نحرث و نزرع و نتخذ الأسباب . . لكن الله هو الذي يحدد النتائج . . يجب ألا ننسى أن لهذا الكون مدبرا . . " لا الأمر أمري و لا التدبير تدبيري و لا المقادير تجرى بتقديري " . . لكن . . هذا لا يمنع أتحاذ الأسباب أكثر و أكثر و أكثر مهما تكن النتائج لا أيأس . . " ما أصابك من حسنه فمن الله و ما أصابك من سيئه فمن نفسك " .
يقول النبي صلى الله عليه و سلم : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ( جائعة ) و تعود بطانا ( ممتلئة بالطعام ) . . لا تظل في أعشاشها . . لقد فهم الناس أن الله يرزق الطير و نسوا أن الطير تطير و تترك أعشاشها بحثا عن رزقها الذي قدره الله لها ليس هناك قانون يلزم الطيور و الحيوانات بالعمل . . و لا وزارة للقوى العاملة تحاسبها . . إنها تسعى و تعمل و تفعل ما عليها ثم ترضى بما قسمه الله لها . إن المفهوم الخاطئ للتوكل هو ألا نعمل و ننتظر رزقنا . .
إن علينا اتخاذ الأسباب ثم نتقبل النتائج . . علينا أن نذهب المريض إلى الطبيب و نقوم بالتحاليل و نعطيه الدواء و ندخله حجرة الجراحة و نعطيه إذا لزم الأمر تنفسا صناعيا فإذا مات رغم ذلك نتقبل الأمر و نصبر عليه و ساعتها سنشعر بالراحة النفسية فقد فعلنا ما علينا . و في كل مرحله من مراحل أتحاذ الأسباب علينا أن نفهم و نستوعب . . فالتوكل حاله من حالات الوعي و ليس حاله من حالات الغيبوبة . . على الناس أن تعمل و تكد و على الحكومة أن تكون أمينة و غير فاسده وفى ألنه إيه نقول الحمد لله مهما كانت النتائج . . لكن . . ما يحدث أن الناس تتكلم كثيرا في الدين و لا تقوم بأي عمل لتغيير ما تعانى منه . . المهندس يتكلم في الدين و لا يهتم بخلطة الحديد و الأسمنت فتقع العمارات و يتصور خطأ أن هذا من عند الله . . و الطبيب يتكلم في الدين و لا يتابع أحدث نظريات العلاج . . يموت المرضى و يتصور أنه فعل ما عليه . . و الحكومة ترتدى مسوح الأيمان و تترك الأمور بعيده عن السيطرة . . ثم تتصور أنها فعلت كل ما عليها .
إن علينا أن نزود مساحة العمل بالين لا مساحة الكلام عنه . . نزرع جيدا . . ندبر ببراعة . . نعالج بإتقان . . نعلم بأحدث الطرق . . هذا هو العمل بالدين . . أما الكلام عنه . . فلا طائل منه . . سوى أن نجلد أنفسنا و نضيع وقتنا و ندخل في قضايا وهميه .
إن ما أكتبه هو خواطر قابله للصواب و الخطأ لا. . حاوله لحل لغز اليأس و الفشل و الإحباط آذى نعانى منه . . و هو لغز قابل للنقاش . . كلمه منك و كلمه منى و نحصل على الحل . . عمل منك و عمل منى و تتغير الدنيا . . إيمان منك و إيمان منى و نتقبل كل ما قسمه الله و نصبر عليه مهما كان . . و أتصور أن الحل ليس شفى يد ألح كومه وحدها و لا في يد الناس وحدهم و لا في التوكل على الله فقط . . الحل في كل ذلك معا . . إن هناك نوعا من الخزائن لا تفتح إلا بأكثر من مفتاح فى الوقت نفسه . . و المفتاح الأول هنا أن تتغير الحكومة و تعمل بجديه و أمانة و المفتاح الثاني أن يتخذ كل منا الأسباب للنجاح و الفهم و المفتاح الثالث هو التوكل على الله بالمعنى الصحيح . . ثم يجب استخدام هذه المفاتيح معا في وقت واحد . . أتصور أن اللغز سيحل . . فالله سبحانه و تعالى لا يختبرنا في الأمور و الأشياء التي لا نقدر عليها . . و لا حول و لا قوة إلا بالله .