جريدة صوت الأمه
15 / 11 / 2004
الملتزم و المتزمت !
السخرية و اللمز و التنابز بالألقاب علامات غلظه و كبر نهى الإسلام عنها و تخرج الإنسان من دائرة الأيمان إلى دائرة الفسوق
يبدو الشاب خفيفا . . مرحا . . منطلقا . . يقبل على الحياة . . يساعد من حوله . . و يبادر بنجدة المحتاج . . ثم فجأة يتحول إلى شخص كئيب . . لا يبتسم . . يستهزئ ممن حوله . . سريع الغضب . . يهمل في ثيابه . . و يقاطع أصحابه . . و لا يطيق نفسه . . و عندما تسأله عن الذي قلب حاله على هذا النحو . . ينظر إليك نظره غير مفهومه . . مفعمة بالقسوة و الاستغراب . . ليقول لك بعد أن ينفذ الصبر : لقد التزمت . . و الصحيح لقد تزمت ! .
هل الالتزام يعنى الحدة و الغلظة و الفظاظة و التعالي على الناس بدعوى انه أصبح مختلفا عنهم ؟ . . هل مجرد أن يطلق لحيته و يرتدى سروالا باكستانيا أو أفغانيا و يغير من طريقة نطقه للكلمات يكون قد ألتزم فعلا ؟ .
بأي شئ التزم ؟ . . هل التزم بالقرآن . . كلام الله ؟ . . إنه سبحانه و تعالى يقول : " فبما رحمه من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم فى الأمر " .
هل التزم بسنة النبي و طريقته في التصرف ؟ . . إنه صلى الله عليه و سلم يبتسم . . معظم ضحكه التبسم . . و لا يمنع أن يضحك ضحكا عاديا و كان يقول : " أني أمزح و لا أقول إلا حقا " و كثيرا ما كان يتحدث بطريقة الفوازير كي يعمل الناس عقولهم و فكرهم . . و هذه مناسبة ذلك الحديث .
جاءت إليه عجوز شمطاء و قالت له : يا رسول الله أأدخل الجنه ؟ . . فقال لها : الجنه لا يدخلها عجوز . . فبكت المرأة بكاء شديدا حتى أخبرها النبي بقوله : أنك عندما تدخلين الجنه لن تكوني عجوزا . . ثم قال لأمزح و لا أقول إلا حقا .
و عندما سألته السيدة فاطمة الزهراء : يا رسول الله من يدخل الجنه قبلي ؟ . . قال صلى الله عليه و سلم : فلانه . . وهى ليست من كبريات الصحابة . . فلما احتارت السيدة فاطمة في السبب قال لها النبي : " سوف تسحب ناقتك و تسبقك إلى الجنه " .
و كان النبي يمازح عائشة رضى الله عنها . . و كان فارق السن بينهما 36 سنه . . مره يجرى فيسبقها في البيت و مره يتركها تسبقه . . و يقول لها " هذه بتلك " . . واحده بواحدة .
وكان يقبل أحفاده . . وذات مره دخل عليه أعرابي ( على شاكلة صاحبنا الذي يقول ن نفسه أنه ملتزم فيبدو أن للنبوه امتداد و لأعداء النبوه امتدادا أيضا ) . . وجده الإعرابي يقبل سيدنا الحسن و الحسين . . فقال الرجل يا رسول الله أتقبلون أولادكم ؟ . . قال النبي : نعم !. . قال الرجل : لي عشره من الأولاد ما قبلت واحدا منهم . . فقال النبي : و مالي و رجل نزع الله الرحمه من قلبه . و قد كان النبي على عظمته يحمل الحسن و الحسين على ظهره و هو على يديه و ركبتيه و يقول : نعم الجمل جملكما و نعم المحمول أنتما . . هذا لا يرضى بالقطع صاحبنا الذي يتصور نفسه ملتزما . . لا يرضى ذي القول الغليظ . . و لا سخريته . . و هو يعتقد أنه أكثر من غيره تدينا . . يقول سبحانه و تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان " .
فالسخرية و اللمز و التنابز بالألقاب علامات غلظه و كبر نهى السلام عنها و تخرج الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الفسوق . . عن ذلك ينطبق على صاحبنا الذي يستمع إلى الآخرين بسخرية و يرد عليهم بسخرية . . و هذا ليس أمرا إلهيا و لا أمرا نبويا . . محمديا .
لقد كان للأعراب دائما سلوك خشن . . و ذات مره وقف رجل منهم أمام النبي بعد أن نزل عن دابته و أمسكها بيده ثم رفع يده إلى السماء و قال و هو يكرر دعائه : اللهم ارحمني و محمدا و لا ترحم معنا أحدا . . لم يقل النبي شيئا و لا وجه لوما له . . بل ضحك حتى بدت نواجذه و قال : أجهل من دابته .
و كان حلمه صلى الله عليه و سلم لا حد له حتى مع الذين تطاولوا عليه و هو ما ورثه الصالحون عنه . . يذكر أن رجلا من غير المسلمين كان له دين عند رسول الله ( و هو ما يعنى أن الرسول كان يقترض من غير المسلمين أيضا ) فلما تأخر قليلا في سداد دينه قابله الرجل ذات يوم و كان معه عمر بن الخطاب فأمسك الرجل بخناق النبي ( بتلابيبه ) و قال أين ديني يا محمد ؟ . . أنتم يا بنى عبد المطلب قوم مطل ( مماطلون ) . . فلما هم سيدنا عمر بن الخطاب أن يبطش بالرجل قال النبي : يا عمر أنا و هذا أولى منك بغير هذا . . مرني بحسن الأداء و مره بحسن الطلب .
و طلب رجل عطاء من النبي فأعطاه النبي . . ثم أراد النبي أن يتأكد أنه رضى . . فسأله : أأحسنت إليك ؟ . . رد الرجل : لا أحسنت و لا أجملت بل أعطيتني من بيت مال المسلمين . . و هم الصحابة ليبطشوا بالرجل لكن النبي أخذه إلى الداخل و اعطاه حتى رضى . . ثم سأله : أأحسنت إليك . . قال نعم يا رسول الله . . لقد أحسنت و أجملت و أعطيت و أوفيت و أرضيت . . فقال النبي : أنى أرى في نفوس أصحابي منك شيئا فأخرج عليهم بغير ما سمعوك . . فخرج الرجل و قال للصحابه ما يرضيهم في رسول الله ثم أنصرف . . فقال النبي . إن مثلى و مثل هذا كرجل شردت عليه دابته فتبعها الناس فزادوها نفورا فقال لهم الرجل خلوا بيني و بين دابتي فأوهما بالطعام فاتت إليه فأمسكها فاناخها فامتطاها . و كان النبي يحب دائما أن يكون في حاله من الصفاء . . فإذا أجتمع قوم يقولون في أخ لهم شيئا ( يأتون بسيرته ) كان يقول لهم : لا توغروا صدري على أخواني فأني أحب أن أخرج إليهم و أنا سليم الصدر .
و بعد ذلك كله . . ترى من يقلد صاحبنا من ؟ . . من يلتزم بمن ؟ . . بكتاب الله أم بسنة رسوله و سيرته . . لا شك أنه ابتدع خلقا معينا لا أساس له في الدين و اعتبروه موجودا و تمسك به و اتخذه منهجا و جعل له أنصارا حتى أصبح الكل ملتزم به . . لكن مع احترامنا لكلمة ملتزم . . الملتزم يلتزم بالكتاب و ما أعظم الكتاب . . و يلتزم بالكتاب و بأقواله و ما أحلاها أقوالا . . و بأفعاله و ما أجملها أفعالا . . كان الأولى أن يلتزم بالنص . . أن يسمى الأشياء بمسهياتها . . فماذا نسمى صاحبنا هذا ؟ . . إنه في الحقيقة ليس صاحبنا . . وفى الحقيقة هو غير ملتزم . . في الحقيقة هو متزمت . . ولا حول و لا قوة إلا بالله .