جريدة صوت الأمه
9 / 8 / 2004
قانون السماء يحمى المغفلين !
يبدو أن كل شىء فى حياتنا أصبح خاطفا . . عابرا . . متسرعا . . غائما . . تغطيه سحب كثيفه تخفى حقيقته . . فنراه كما نهوى . . و كما نشتهى . . وفى عصر تنتقل فيه الصوره و المعلومه بسرعه الليزر يصبح الخطأ صوابا . . و النميمه حقيقه . . إنها أسوأ جريمه .
و يمكن التسامح فى هذه الطريقه فى التفكير و التفسير – التى سيطرت على عقولنا – لو كان الأمر يتعلق بشأن من شئون الدنيا . . فهى شئون متغيره . . تكنس نفسها بنفسها . . و يفرض ما هو قادم إرادته على ما هو قائم . . لكن . . لا يمكن التسامح فى هذه الطريقه لة كان الأمر يتعلق بشأن من شئون الدين . . فهى شئون مستقره . . تؤكد نفسها بنفسها . . و يساند ما هو قادم ما هو قائم .
فلو بنى أمر من أمور الدين على خطأ فى الإجتهاد لوجدنا أنفسنا صرعى لمن يتصورون أنهم يرفعون راية الجهاد .
أكبر خطأ نعانى منه . . الخطأ فى فهم عبارة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر . . فما إن نسمعها حتى نتصور ذلك المطوع السعودى الشرس الذى يمسك بعصا يضرب الناس بها ليدفعهم بالقوه إلى تأدية الفروض دون أن يفكر هو نفسه فى تأديتها . . و شاعت تلك الصوره . . و فرضت نفسها على كل من يعتلى منبرا . . و يلقى موعظه. . و يسجل درسا دينيا أمام كاميرات التليفزيون . . ثم أستقرت الصوره الخاطئه نفسها فى يقين ووجدان ملايين المسلمين . . فكان الإرهاب . . و كان العنف . . و كانت ملامحنا المشوهه فى كل الدنيا .
إن" الأمر" بشىء غير" الدعوه " إليه الدعوه تكون الموعظه الحسنه . . بالإقناع . . بالقدره على التأثير . ." أدع إلى سبيل ربك بالحكمه و الموعظة الحسنه ". . و الدعوه قد تفلح . . و قد لا تفلح . . قد يأتى من ندعوه . . و قد لا يأتى . . " لكم دينكم و لى دينى " .
أما الأمر فيلزم له سلطه لتنفيذه . . لكن . . ما دامت السلطه ضروره لتنفيذه . . فلا بد أن تكون هذه السلطه حكيمه . . فلا تصدر أمرا يصعب تنفيذه . . أو تصدر أمرا يؤدى إلى الهاويه . . فلا يمكن لضابط مثلا أن يأمر جندى مشاه بقيادة طائره حربيه . . و لا يمكن لطبيب مثلا أن يأمر سائقه بإجراء الجراحه بدلا منه . . و لا يمكن لرئيس الحكومه أن يأمر وزير الأوقاف بقيادة القوات للقتال. . و هكذا.
لا يمكن أن نأمر شخصا بما لا يعرف . . لال يمكن أن نأمره بما ينكر . . لا بد أن نأمر شخصا بما يعرف . . و المعرفه هنا تعنى الإستطاعه . . تأمره بالمعروف . . أى تأمره بما يعرف . . تنهاه عن المنكر . . تنهاه عما لا يعرف . . تنهاه عما ينكره . . لا تدفعه إليه . . و هى قاعده فى الحياه كما هى فى الدين . .
حسب الأمثله التى مرت . . و لو كان شخصا لا يعرف فيجب أن تقوم بتعريفه قبل أن تأمره . . و إلا يكون أمرك غير معروف لديه .
لقد وضع النبى صلى الله عليه و سلم قاعده شرعيه فهمت خطأ . . و جعلت كل من هب و دب يأخذ سلطة الأمر دون أن يعطيها له أحد . . ثم يأمر الناس بما يعرفون و بما لا يعرفون . . أو بعباره أدق . . يأمرهم بما يعرف هو . . و كأن ذلك يكفى . . و هو بالقطع لا يكفى . فلا مجال لإستخدام السلطه فى الأمر إلا فى حدود ما يعرف من نأمره . . يجب أن يعرف منفذ الأمر ما هى طبيعة الأمر قبل أن نأمره به . . نعرفه ثم نأمره. . ساعتها يمكن القول : " إنه أمر بمعروف " . . و على العكس تماما . . لو كان هناك من يسعى إلى القيام بعمل لا يعرفه . . أمر غير معروف . . أمر ينكره فلا ننهاه عنه . . و هذا هو النهى عن المنكر .
لو كان هناك جاهل بمهنة الصحافه و يريد أن يغطى حربا فى فلسطين . . و جب علينا أن نمنعه عن ذلك الأمر الذى ينكره . . أى لا يعرفه يقول سبحانه و تـعالى : و لا تقف ما ليس لك به علم " .
أذن المعروف هو ما نعرف . . و المنكر هو ما لا نعرف . . نقول رجل معروف أى رجل يعرفه الناس . . وزير . . رئيس . . مقدم برامج فى التليفزيون . . رجل منكر أى رجل ينكره الناس . . أى لا يعرفونه . . و يمتد التعريف لما هو أبعد . .
" فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد . . و ينكر الفم طعم الماء من سقم . . و تنكر الأذن صوت الرعد من صمم ". . و يقول سبحانه و تعالى : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " . . و هو ما يعنى أن النكران عكس المعرفه .
و يقول سبحانه و تعالى : " و أمر أهلك بالصلاة و أصطبر عليها " . . معناها علمهم الصلاة أولا حتى يعرفونها و يعرفون قواعدها و أصولها و أحكامها و مبطلاتها . . بعد أن يكون معروفا لديهم تأمرهم بها . . و فى تلك اللحظه تكون قد أمرتهم بمعروف .
و كثيرا ما نجد شخصا يفتى بغير علم . . يفتى بما لا يعرف . . يفتى بما ينكر . . تكون فتواه فى منكر . . و يجب علينا أن ننهاه عن ذلك . . فهو يفتى بغير علم بما لا يعلم . . و الحكمه فى العلم هى عدم إستخدام سلطة الأمر إلا فى حدود ما يعرفه المأمورون . . و إلا يكون الأمر فى هذه الحاله هو أمرا بمنكر . . أمر بما ينكرونه . . أى بما لا يعرفونه . . و بهذا المعنى الذى نثق فيه يكون الأمر بالمعروف لا يقتصر على الأحكام الدينيه فقط و إنما يمتد إلى كل أمورنا الحياتيه . . فلو كنت صاحب عمل لا تأمر عمالك و موظفيك إلا بما يعلمون . . لا تأمرهم بشىء يجب أن تتأكد قبل ذلك أنهم يعرفونه . . أنه معروف لديهم . . لا نقول للساعى إستخرج برنامجا على الكمبيوتر . . لا نقول للمهندس تول علاج زملائك . . لأن ذلك سيكون أمرا بمنكر . . لا يعلمونه . . و سيكون أمرك نوعا من التعسف فى إستخدام السلطه . . أو يكون إستخداما لها يخلو من الحكمه .
بل عليك أن تفعل فى حالات كثيره العكس . . لو طلب الساعى إستخراج برنامج الكمبيوتر المنكر و غير المعروف لديه عليك بنهيه . . و لو طلبت من شخص أن ينزل البحر لإنقاذ طفل يغرق . . عليك أن تسأله هل يعرف العوم ؟ . . لو كان يعرفه تكون أمرته بمعروف . . و لو كان لا يعرفه تكون أمرته بمنكر . . و لو أصر على نزول البحر رغم جهله بالعوم فيجب أن تنهاه عن ذلك . . و هنا يكون نهيك هو نهيا عن منكر .
يقول سبحانه و تعالى : " لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه " . . فقد كان الواحد منهم يرى غيره يقدم على شىء لا يعرفه و منكر بالنسبه له و يتركه . . لذلك يقول النبى صلى الله عليه و سلم : " إياكم و الجلوس على الطرقات . . قالوا يا رسول الله : ما لنا من ذلك بد . . قال : إن كان و لابد فأعطوا الطريق حقه . . قالوا و ما حق الطريق يا رسول الله ؟ . . قال : غض البصر و كف الأذى و رد السلام و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر " .
و غض البصر ليس إغلاق العين . . و المقصود به أن يكون البصر غير جارح . . غير جارح فى كل شىء ليس النساء كما هو شائع . . فالعين خلقت لأشياء كثيره يجب غص البصر عنها غير النساء . . يجب غص البصر عن كل نعمه تخص غيرك . . حتى لو كانت سياره . . أو نظاره . . أو تليفونا محمولا . . فغض البصر فى هذه الحاله يمنع اللسان من التفوه بما لا يليق . . معناه ترك الناس و شأنهم . . و فى الوقت نفسه يجب أن أفعل ما يقنع الآخرين بغض البصر عنى . . فلا البس أو أستخدم ما يلفت النظر . . أما كف الأذى فهو أن أفعل ما يمنع أذية غيرى و يمنع أذيتى . . و رد السلام ليس فقط بالكلام و إنما أن أكون مصدر سلام . . فى موقف سلام مع الآخرين .
أما الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فمعناه كما قلنا أن نأمر بكل ما هو معروف للناس . . و ننهاهم عما لا يعرفون ننهاههم عما ينكرون . . أو ما هو بالنسبه لهم منكر . . فلو وجدنا من يحمل حقيبه لا يعرف ما فيها نهيناه عن حملها . . فربما كانت معبأه بالمخدرات أو المتفجرات . . نهيناه عن ذلك المنكر . . و على ذلك لا نأمر أحدا إلا بمعروف . . أى بما يعرف . . و لا نأمره بما ينكره . . و نأمره بألا يفعل إلا ما يعرفه .
إن هذا الإجتهاد فى التفسير يخالف ما وصل إلى الناس و أستقر عن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر . . و ما أستقر جاء نتيجة سرعه فائقه تفهم بها الأحاديث النبويه الشريفه .. و هو أمر لا يعقل . . فالنبى صلى الله عليه و سلم أوتى جوامع الكلم . . الكلم الذى يعطى معنى فى كل وقت . . و بين نوعيه من البشر .
يقول سبحانه و تعالى : " كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله " . . و المقصود أن قاعدة ألا نأمر إلا بما نعرف لا تنطبق على الله . . فلا أحد منا يعرف الله . . و طبقا لقاعدة لا نؤمن إلا بما نعرف يكون علينا ألا نؤمن بالله لأننا لا نعرفه . . و لذلك كان سياق الآيه الكريمه " تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله " . . و يقول الله على لسان النبى الكريم : " و علمك ما لم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما " . . فالله علم رسوله ما لم يكن يعلم . . إذن فلا شىء منكرا على رسول الله . . كل شىء هو معروف لديه . . و بعد أن علمه الله ما لم يكن يعلم ؛ أمره بعد ذلك بما يريد .
إن القانون البشرى الوضعى لا يحمى كما هو معروف المغفلين . . فعدم العلم بالقانون . . و نكرانه لا يمنع من وجوده و تطبيقه . . فالقانون البشرى يحاكم من يعلم و من لا يعلم . . أما القانون الإلهى فهو لا يحاكم و لا يحاسب إلا من يعلم به . . فهو يحمى المغفلين لا يحاسب إلا من يعرف و من يستطيع و هذا هو الفرق بين رحمة الله و جبروت البشر . . و لا حول و لا قوة إلا بالله .