مجلة صوت الأمة

3/5/2004م

السؤال العيب: حلاوة المولد حرام أم حلال؟

  الاحتفال بمولد النبى صلى الله عليه وسلم احتفال بشخص عزيز علينا.. تزحف قلوبنا إلى نوره.. باحثة عن الرحمة والهداية والعدالة والموعظة الحسنة.. لنأكل الحلوى.. لنفرح بما يسعدنا.. لكن.. هذه المناسبة فرصة لأن نستوعب أخلاق وخصائص سيد البشرية.

  إن هناك مقتضيات للألوهية.. وخصائص للنبوة.. وسمات للأولياء.. والتفرقة بينها هى التى تعصمنا بالصراط المستقيم.

  مقتضيات الألوهية تعنى ألا يكون الإله إلها إلا بها.. ولا تصح ألوهيته إذا فقد واحدة منها.. وهى السبق (لا شئ قبله) والإطلاق (لا حدود له) والسرمدية ( لا شئ بعده) والذاتية (لا معلم له)، ولأن هناك إلها واحداً لا شريك له.. نصفه بالواجد (وهو اسم فاعل) لا الموجود (اسم مفعول).. لذلك لا ينفع ولا يصح أن نقول: " الله موجود".. من الذى أوجده؟.. والصح أن نقول: " الله واجد".

  ومقتضيات الألوهية موجودة فى إله واحد لذلك نقول: "لا إله إلا الله".. لكن.. خصائص النبوة موجودة فى أنبياء لا حصر لهم.. ليست موجودة فى سيدنا محمد فقط.. لذلك لا يجوز أن نقول: "لا نبى إلا سيدنا محمد".

كل الآنبياء مشتركون فى خاصية واحدة هى العصمة.. كل الأنبياء معصومون.. ويظهر اثر العصمة فى صور الصدق.. العلم.. الرحمة.. الكرم .. الحلم .. الأمانة.. وغيرها .. والعصمة لا ترى.. ولكن يرى أثرها .. وإثرها فيما سبق أن عددنا.. ولو كانت العصمة هى خصائص الأنبياء، فإن أثارها هى خواص الأنبياء .

والأولياء ظل الأنبياء.. مثل خريطة تعبر عن واقع .. فى الخريطة طرق (لكن لا نستطيع السير عليها) وأنهار (ولكن لا نستطيع الشرب منها) وسكة حديدية (لكن لا نستطيع ركوبها) وبحار (لا نستطيع السباحة فيها).. لو نظرنا إلى خريطة الأولياء سنجدها تعبر عن واقع الأنبياء.. وتدلنا عليه.. الولى ( ماكيت ) نبى.. ظل نبى.. وارث نبى.. لا يكون مثله .. لكن.. يعبر عنه.

ولو كانت للألوهيه مقتضيات .. وللنبوة خصائص.. فإن للولاية سمات والسمات المشتركة للأولياء هى الحفظ.. والحفظ مثل العصمة.. لكن.. الفرق بين العصمة والحفظ.. أن النبى مولود بالعصمة.. مولود معصوم أما الولى فلا يولد معصوما.. وإنما يكتسب العصمة وخصائصها بالحفظ.. ولأن العصمة فى هذه الحالة مكتسبة فهى تسمى ضمانا.. بخلاف العصمة الفطرية الطبيعية للأنبياء.

والعصمة - كما قلنا-  نتجت عنها الصفات النبوية (الصدق والرحمة والأمانة والحلم والعلم والكرم والموعظة الحسنة)

وهى الصفات التى علينا تذكرها ونحن نحتفل بالمولد النبوى .. أكثر من ذلك علينا أن نتذكر أنه فى هذا اليوم أيضا فتح باب الشفاعة.. ويقول سبحانه وتعالى : (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )).. و" العالمين" هما: عالم الإنس وعالم الجن.. وعالم الإنس يضم كل البشر على اختلاف دياناتهم واتجاهاتهم.. ومن ثم فإن العالمين لا بد أن يحتفلوا بمولد النبى لأنه مولود الرحمة لهم جميعا.. فهذا المولود يحتاجه الإنس والجن.. لو كان الناس يعقلون لاحتفلوا جميعا بهذا المولود.

  وعندما نقول الإنس فإننا نقصد كل الإنس.. كل البشر.. المؤمن والكافر.. يقول سبحانه وتعالى للنبى صلى الله عليه وسلم: (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )).. والمقصود.. لو أن كافرا استنجد بك فأنجده حتى يطمئن ويسمع كلام الله.. ويقول سبحانه وتعالى على لسان نبيه أيضا: (( قل أرأيتم إن أهلكنى الله ومن معى أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب اليم )).. والمقصود لو حدث مكروه للنبى فمن ينقذ الكافرين من العذاب الأليم؟.. من يخرجكم من الظلمات إلى النور؟.. إن النبى رحمة للمؤمنين والمشركين معا.. وأية محاولة للتخلص منه هى تخلص من جهاز الإطفاء الذى ينقذكم من الحريق؟.. لو كسرتم العمود الأساسى للبيت فكيف لا يهدم على رءوسكم؟.

  ويقول سبحانه وتعالى: (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم )).. إن كل من يسمع مثل هذا الكلام لا بد أن يحتفل بمولد النبى.. نحتفل به رحمة بنا وحرصا على أنفسنا.

  يقول سبحانه وتعالى: (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر )).. إن هذا كلام الله.. ورأى الله.. وليس كلام متشيع أو رأيا له.. هو كلام ورأى من خلق (( الله)).. لا من علم.. يقول سبحانه وتعالى فى صورة سؤال استنكارى: ((  ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )).. فالخالق عالم.. والعالم لا يشترط أن يكون خالقا.

  إن مولد النبى ليس مولد شخص أضيف إلى تعداد البشرية.. معصوم مثله مثل كل الأنبياء الذين يجب الاحتفال بمولدهم.. يجب أن نحتفل بمولد سادتنا: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وداود.. وغيرهم..  والاحتفال نوع من الفرحة بهم وبما حملوه إلينا من خصائص وصفات حسنة وطيبة.. يقول سبحانه وتعالى: (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون )).

  لكن.. السؤال الذى يشغلنا كل مولد نبوى هو: كيف نفرح؟.. إن من المستحيل أن تقول لشخص كيف يفرح؟.. فالفرح هو حالة شخصية ذاتية خاصة جداً.. لو فرحت المرأة زغردت.. لو فرح الرجل ابتسم.. لو فرح الحصان رقص.. لو فرح الكلب هز ذيله.. إذن لا أحد يقول لنا كيف نفرح.. ولا ما هى قواعد الفرح وأساليبه؟.. كل ما علينا ونحن نفرح أن ننتهى عما حرم الله.. ما لم يحرمه الله بنص لا نهى عنه.. هناك من يضحك عندما يفرح.. وهناك من يأكل.. وهناك من ينام.. وهناك من يذكر الله.. وهناك من يشاهد فيلما.. وهناك من يأكل حلاوة.. وكلها مظاهر حلال.. لقد قال الله (( فليفرحوا)) ولم يقل كيف يكون ذلك؟.

  هناك من يقول: علينا أن نفرح كما يفرح رسول الله.. لكننا لسنا رسول الله.. ولسنا الصحابة.. كل ما علينا أن نفرح بما لا يخرجنا عن الشرع.. هذا هو التقييد الوحيد ما لم يحرمه الله من مأكل ومشرب هو وسائل للفرح.. ولا ينبغى لأحد أن يحكم بغير نص.. ولا يحرم ما أحله الله.. كما يفعل البعض من فوق المنابر بالنسبة لحلاوة المولد.. لو قال هؤلاء نفرح بالصلاة.. ليكن.. لكنها تبقى وجهة نظر.. مثلها مثل الفرح بالصوم.. لكن من يعبر عن فرحه بالأكل فهذا حقه.. ومن يفرح بالنوم فهذا حقه.. ومن يفرح بشراء العروسة والحصان الحلاوة فهو حقه.. ما لم يرد فيه نص تحريم لا نحرمه.. لا نريد مشرعين إضافيين.. الشرع كافٍ.. والحلال بيِّن والحرام بيِّن.. لا أحد " أشطر" من ربنا حتى يستذكى عليه ويزايد عليه ويقول له: لقد نسيت تحريم ذلك يارب .. أنت نسيت تحريم الحلاوة.. أنت نسيت تحريم الضحك.. أنت نسيت تحريم النوم.. من يفرح بالأكل أو النوم أو الصلاة أو اللعب أو الضحك هو حر.. ولا ذنب عليه.. الذنب على من يحرم ذلك عليه.

  لا نقول إن حلاوة المولد فريضة.. لكنها أيضا ليست حراما.. لا هى فريضة.. ولا هى محرمة.. لكنها شأن خاص للاختيار.. لقد كان بنى أرفدة ( وهم من الأحباش) يوم العيد يرقصون فى مسجد رسول الله، فقالت السيدة عائشة رضى الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم: " يا رسول الله ما الذى يحدث فى مسجدك؟.. فقال النبى: يا عائشة إنه يوم عيد وأنهم ـ بنو أرفدة ـ هكذا يرقصون فى الحبشة".. يعنى هكذا تعودوا على الفرح.. يلعبون بالحراب.. بالعصى.. وهو حلال ولو فى مسجد رسول الله.

  لا أحد يستدرك على الله.. الحرام ما ورد به نص.. والحلال ما لم يرد به نص.. والمباح هو ما لم يرد به تحريم ولا تحليل.. وتحريم المباح تشريع بغير نص.. والتشريع بغير نص حكم بغير ما أنزل الله.. والحكم بغير ما أنزل الله قال عنه الله (( أولئك هم الفاسقون))، (( أولئك هم الظالمون))، (( أولئك هم الكافرون)).

  إن التحريم محدد (( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ لغير الله به والمنخنقة(المخنوقة) والموقوذة، والمتردية(المقتولة بالسقوط) والنطيحة( المقتولة بالنطح) وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب)).. ثم جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ليبيح ميتتين (السمك والجراد) ودمين( الكبد والطحال).. إن ذلك يعنى أن ما حرم وارد على سبيل الحصر.. ومن يملك نصا للتحريم يبرزه.. لا أحد يتحدث عن الصحابة والرسول.. التحريم بنص فقط.. لقد أمسك أبن عباس رضى الله عنه بضب ( حيوان برى أكله حلال) وبعد الشواء قال: ألك فى شئ منه يا رسول الله.. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " نفسى تعافه ".. رفض الرسول تناوله.. لكن لم يحرمه على بن عباس.

  طالما أن الشرع الحكيم لم يمنع فعلى كل شخص يقول بغير ذلك أن يلم لسانه ويضعه فى حلقه ويحترم نفسه لأنه لا مشرع غير الله ورسوله.. يقول سبحانه وتعالى: (( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)).. نحن لا نريد من بعض الخطباء والوعاظ أن يجعلوا من حلاوة المولد عبادات.. لكن لا نريدهم أيضا أن يعتبروها من المحرمات.. لا أحد ينكد علينا عيشتنا بغير نص.. ومن يسمح لهم بذلك يصبح مثلهم.. يقول سبحانه وتعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم)).

  نريد أن نربأ بالمناسبة عن الكلام فى حلاوة المولد.. يأكلوا حلاوة يا كلوا جاتوه يا كلوا كل اللى يحبوه.. هذه تفاهة.. إفلاس علمى.. بكل المقاييس.. إن الحرام فى المولد حرام فى غير المولد.. والحلال حلال فى أى وقت وأى مكان.. الحرام فى الكعبة حرام فى غيرها.. والحلال فى مولد النبى حلال فى شم النسيم.. مرة أخرى لا تنكدوا علينا عيشتنا بغير نص.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.