مجلة صوت الأمة
15/3/2004م
الربا حرام فى حالتى الغصب والتدليس فقط !
فوائد البنوك ربا.. وحرام.. ولا تجوز شرعا.. فتوى روج لها أصحاب البنوك ليحققوا مكاسب دون مجهود.. فكثير من الناس اقتنع بهذه الفتوى.. ووضع أمواله فى البنوك دون أن يتقاضى عنها فوائد.. لقد ذهبت الفوائد إلى خزائن البنوك التى تورمت وتضخمت وحققت أرباحا دون تعب.. فهى لا تدفع على القروض.. والمثير للدهشة أن بعض هذه البنوك كان يدفع لبعض الشيوخ ـ الذين كانوا مستشارين للبنوك ـ كى يروجوا لهذه الفتوى التى فى حقيقتها فتوى بنكية لا فتوى شرعية.
إن الربا حرام.. لكن.. فوائد البنوك ليست ربا.. الربا لا يكون ربا إلا إذا توافر فيه شرطان.. الشرط الأول: الغصب.. والشرط الثانى: التدليس.. الغصب هو إستغلال الظروف أو إستغلال النفوذ فى تحقيق مكسب يجبر عليه من يدفعه.. والتدليس هو استغلال الجهل لتحقيق هذا المكسب.. الغصب يضار منه المحتاج.. والتدليس يضار منه الجاهل.
لو كان هنالك رجل لا يملك تكلفة عملية جراحية مفاجئة عليه القيام بها فورا وإلا تعرضت حياته للخطر.. وراح يستدين من شخص يملك مالا.. وفرض عليه هذا الشخص شروطا متعسفة لا يقبلها عقل ولا منطق ولا إمكاناته وأجبره عليها.. هذا هو الربا.. فالمدين هنا يكون فى حالة المضطر والدائن هنا يكون مرابيا.. لا مفر.
ولو كان المدين لا يعرف القراءة والكتابة.. ووضع الدائن فى عقد القرض شرطا يجهله وفوجىء به عند السداد فهذا هو التدليس.. وما نتج عنه من مال هو ربا وحرام.
إن شرط الحلال أن يجرى التراضى بين الطرفين دون غصب أو تدليس.. مثل الزواج الذى يشترط الإيجاب والقبول.. فالزواج لا يصح مهما كان يكن حجم المهر فيه لو لم يتوافر فيه شرط القبول.. لا خاتم من الالماس يجعله شرعيا.. ولا مليون مؤخر صداق.. القبول هو الشرط الوحيد لشرعية الزواج وإن كان بصداق قليل جداً.. (( التمس ولو خاتم من حديد)).. كذلك التعاقد والاتفاق على الفوائد البنكية لابد من شرط القبول.. فلو أن بنكاً استولى على رصيد عميل دون إرادته ثم قرر البنك إعطائه فائدة أكبر مما يمكن تخيله.. هذه المعاملة المالية تكون محرمة ولو كثرت نسبة الفائدة لأنها جرت غصباً عن العميل ودون إرادته.. أما لو كان إتفاق العميل عن تراض مع البنك وكان عالما بما يقول غير جاهل به فلا تحرم الفائدة وإن قلت أو كثرت.. لأنه ليس فيها غصب ولا تدليس.
مرة أخرى الربا هو أى معاملة تخضع لغصب أو تدليس أو لهما معا.. هؤلاء هم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل.. يقول سبحانه وتعالى: (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )).. ويقول سبحانه وتعالى: (( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة )).. ويقول سبحانه وتعالى: (( ويل للمطففين الذين إذا إكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوههم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم )).. أى يكيلون بمكيالين.. كأن الواحد فى يده ميزانان.. ميزان يشترى به.. وميزان يبيع به.
لا أحد يتحايل على شرع الله.. لا أحد يخضعه لهواه.. يقول سبحانه وتعالى: (( أرايت من إتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم )).. ويمكن شرح ذلك بقصة الفتاوى.. سئل أحدهم: ما الحكم فى حائط بال عليه كلب.. فقال يهدم الحائط.. فقيل له: لكن الحائط فى بيتك.. فقال: قليل من الماء يطهره.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( يسروا ولا تعسروا )).. والتيسير هو هداية الله إلى جوهر الدين دون الإخلال به.. دون التفريط فى الدين.. وطبقا للتيسير فإن الإسلام يمكن تلخيصة فى أمرين بالنسبة للمسلم.. الأمر الأول أن يحذر المسلم الوقوع فى الشرك بالله.. وهذا تلخيص للعبادات.. والأمر الثانى: ألا يضر بالناس.. وهذا تخليص للمعاملات.. هذا هو جوهر الإسلام ومركز قوته.. وفيما عدا ذلك هو تفاصيل وهوامش لا تؤثر.. ولا حول ولا قوة إلا بالله .