مجلة صوت الأمة
23/2/2004
لو أحسن أعنَّاه...... ولو أخطأ قومناه !
عندما يرينا الله سبحانه وتعالى ما لم نره من قبل نقول:(( سبحان الله )).. وعندما نشعر بأشياء نعجز عن تفسيرها نقول:(( لا حول ولا قوة )).. وعندما نفتى مهما كانت درجات ثقافتنا فيما قلنا نقول:(( والله أعلم )).
أما فى كل ما أمرنا به فعلينا تنفيذه وطاعته دون تفسير لسبب أو بحث عن علة أو كشف لحكمة.. ربما نعرف السبب فيما بعد.. ربما يهدينا الله لتفسير نتوقعه.. ربما وضعنا وجها لوجه أمام العلة.. لكن.. سواء حدث ذلك أو لم يحدث فإن علينا الطاعة.. ولو نفذنا وأطعنا فإن الله سبحانه وتعالى سينير قلوبنا بالحكمة وسيضع فى طريقنا من سيكسف لنا السبب أو العلة كما فعل مع سيدنا عمر بن الخطاب والحجر الأسود.
لقد قال سيدنا عمر وهو يضيع يده عليه:(( أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك )).. فى هذه اللحظة شاء الله سبحانه وتعالى أن يكشف له العلة من وراء ما فعل.. فوجد يد سيدنا على تشده من ذراعه وهو يقول له: بل يا أمير المؤمنين ينفع ويضر.. " إنى لأشهد أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ الحجر الأسود يمين الله فى الأرض وله لسان زلق ( فصيح ) يشهد لكل من استلمه ( وضع يده عليه ) بحق وصدق ].. وفى شريف أخر يقول صلى الله عليه وسلم:(( الحجر الأسود يا قوتة من يواقيت الجنة )).
إن علينا السمع والطاعة دون بحث عن العلة.. إننا لا نعرف ما هى العلة فى الركوع ولا ما هى العلة فى السجود.. لكننا نركع ونسجد فى كل صلاة أكثر من مرة بعدد ركعاتها.. وفى الوقت نفسه لا يرتبط والثواب فيما نفعل بتفسير العلة أو فهم السبب.. وكذلك لا نوقف ما نفعل فى انتظار أن نفهم ونفسر أو نعرف العلة.
يقول سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه:(( لو كان العمل فى هذا الدين بالعقل فقط لكان مسح باطن الخف أولى من ظهره )).. والمعروف أننا نمسح على وجه الخف عند الوضوء ( أحياناً ) مع أن الخف لا يكون ملوثا من وجهه وإنما من أسفله وهو الجزء الملامس للأرض.. وفى الوضوء ( أيضا ).. إن ما يخرج من الإنسان يفرض عليه الوضوء.. لكن عملية الوضوء نفسها لا تقترب من المناطق التى تسبب نقضه.. وهى أحد السبيلين.. ولو عرفنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نعرف فإننا سنقوم بالوضوء.. على أننا مطالبون بالبحث عن الحكمة والعلة.. لنقول يااااه.. كم من شيء كنا نجهله وأتضح لنا أنه نافع ومفيد.. فربما كان الوضوء على النحو الذى نقوم به حتى لا ينفر من يصلى جوارنا منا.
إننا عبيد الله.. والعبد لا يناقش سيده.. الله يقول لنا: افعلوا.. فنعل.. ننفذ.. ولا نناقش.. لو قلت لعبدك: اذهب واحضر فأراً.. لا يجوز أن يسألك عن السبب.. أنت تعرف السبب.. ومن حقك أن تكشفه له أو لا تكشفه.. ولو منَّ الله علينا بالسبب وشرح ما غاب عنا فهذه مكافأة لنا على إيماننا بالغيب وطاعتنا لما يأمرنا به.
إن الإضراب عن الطعام شئ صعب.. لكن.. الصيام وهو تنفيذ لأمر الله شئ سهل.. وهذا هو الفرق بين العبد المطيع والعبد العاصى.. وعندما نطيع الله فإننا نعظمه.. وإن كنا فى الوقت نفسه نعظم أنفسنا.. فالذى يطيع الله وينفذ تعاليمه هو الذى يستحق التعظيم بين البشر.. هو الذى يستحق أن نحبه.. ونسمعه.. وليس أى شخص أخر مهما بدا لنا.. يقول سبحانه وتعالى على لسان سيدنا إبراهيم (( يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين )).. والشائع فى تفسير هذه الآية أن الله أمر سيدنا إبراهيم بذبح سيدنا إسماعيل فكان رد سيدنا إسماعيل عليه: تفضل اذبحني.. لكن تأمل الآيات يجعلنا نقول: إن سيدنا إبراهيم قال:(( إنى أرى فى المنام )) وأرى فعل مضارع يفيد الاستمرار.. ومعناها انه نائم ويرى.. وهو غير منطقى.. ومن ثم فكلمة أرى هنا تعنى رأيت.. بدليل أنه يقول لولده: (( فانظر ماذا ترى )) هنا لم يقل له سيدنا إسماعيل اذبحني.. وإنما قال:(( يا أبت أفعل ما تؤمر )).. ومعناها أنك يا أبت رسول الله تصدر إليك الأوامر والتشريعات بالوحى الإلهي.. فإن كان قد أوحى إليه بالذبح فلينفذ.. أما الرؤيا فيجب عليه تأويلها.. ولا تنفذ حرفياً.. إنها ليست تشريعا.. وإنما وجهة نظر.. ببساطة يقول سيدنا إبراهيم.. إنى أرى أنى أذبحك فما رأيك؟.. وكان الجواب: أفعل ما تؤمر.. ولم يقل أفعل ما ترى.. لم يقل سيدنا إبراهيم أُمرت أن أذبحك.. وإنما قال: (( إنى أرى فى المنام إنى أذبحك )).. والرؤيا غير الأمر الإلهى.. والتشريع غير المنام.. ومن ثم فلو صمم سيدنا إبراهيم على تنفيذ المنام وذبح أبنه لعاقبه الله على ذلك.. لقال له: يا إبراهيم هل صدقت الرؤيا؟.. وكان أن قام الله سبحانه وتعالى بتأويل الرؤيا وفداه بذبح عظيم.. وعظيم هنا تعنى تعظيم الكبش.. فالخروف هنا من شعائر الله.. مثله مثل عرفات.. والصفا والمروة وقبر إبراهيم.
لقد امرنا الله بأن نعظمه ونعظم شعائره.. بأن ننفذ ما نؤمر به.. تماما كما سجد الملائكة لآدم.. قال لهم اسجدوا لآدم فسجدوا.. لم يستهجنوا أو يعترضوا كما فعل إبليس الذى حلت عليه العنة فور أن رفض الطاعة وتنفيذ الأمر.. هذا هو فقه التعظيم فى الإسلام.. لكن.. هل يمتد التعظيم إلى أشخاص عاديين مثلنا؟.
إن التعظيم فى هذه الحالة يكون للوالدين وهو حقهما علينا.. لكن.. كل منا يعظم والديه فقط.. وليس مطلوباً أن نعظم كل والدين نقابلهما.. والتعظيم أيضا يكون للوطن.. أكون جاسوسا عليه.. أعظَّم من يصونه.. ومن يحترمه.. ويدافع عن سيادته.. وأعظم العلم.. والعلماء.. أعظم من يتقن حرفة معينة ويبرع فيها.. أعظم من يعمل بكتاب الله.. لكن (( رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه )).. ورب شخص لا يحفظ آية واحدة من القرآن ونكرمه بسلوكه وتصرفاته وأخلاقه.. وعلى ذلك فالتعظيم يكون بقدر.. ليس مفروضاً على خلق الله إلا بنص إلهى أو نبوى وغير ذلك فهو غير ملزم للناس إلا بقدر ما ينفع الناس.. يقول سيدنا عمر بن الخطاب:(( لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى )).. فقال رجل من الصحابة:(( لو وجدنا فيك اعوجاجاً قومناك بهذا )).. وشهر سيفه.. فقال عمر: (( الحمد لله الذى جعل فى أمة محمد من يقوم عمر بن الخطاب بسيفه )).. لقد وضع عمر بن الخطاب قاعدة التعظيم.. وهى قاعدة نطبقها على البشر الأقل منه مهما كانت مرتبتهم البشرية ووظيفتهم الدينية.. لو أحسن أعناه ولو أخطأ قومناه.. فلا مبرر أن نعطى حصانة وعصمة لشخص لا يستحقها حتى لو كان يرتدى ملابس رجال الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله .