مجلة صوت الأمة
16/2/2004
التعظيم قد يكون لحجر..... ولا يتمتع به بشر !
يعترف الإسلام بالعلماء.. لكنه.. لا يعترف برجال الدين.. فليست هنالك وساطة بين المسلم وربه.. واحترام رجل الدين واجب مثل احترام اى شخص أخر.. ولو أصاب رجل الدين قدرناه.. ولو أصاب حصل على أجر الاجتهاد.. ولو ارتكب جريمة حاسبه القانون مثله مثل غيره.. ولو تجاوز حدوده انصرف الناس عنه.. وربما كانت محاسبة رجل الدين أشد من غيره.. فهو يضع نفسه فى موضع الصدارة.. ويقدم نفسه كنموذج يحتذى به.. لا يجوز التسامح معه.. فهو ليس حجة على الدين.. و إنما الدين حجة عليه.. وخطأ رجل الدين لا نسب إلى الدين.. وإنما ينسب لنفسه.. وحده.. ولا يجوز اعتبار النقد الموجه إليه نقدا موجها لكافة المسلمين.. فلا أحد يمثل أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعظمة لله وحده.. ونحن نقول فى الصلاة أكثر من مرة.. (( سبحان ربى العظيم )).. ونقول أكثر من مرة (( سبحان ربى الأعلى )).. والتعظيم هو بلوغ القدر.. وتعظيم الله فى أن نطيعه.. وننفذ ما أمر به.. دون مناقشة ليكشف لنا الله الحكمة من وراء ذلك.
يقول سبحانه وتعالى (( والبُدْن جعلناها لكم من شعائر الله )).. والبدن هى الدواب التي تحمل أمتعة الحجاج.. لقد أصبحت بنص القرآن من شعائر الله.. ويمكن أن تحل محلها فى العصر الذى نحن فيه الطائرة أو السيارة أو الباخرة التى توصلنا الحج.. ويقول سبحانه وتعالى (( إن الصفا والمروة من شعائر الله )).. ويقول سبحانه وتعالى (( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب )).. وكأن الله أمرنا بتعظيم الحيوانات التى تحمل أمتعة الحجاج.. وأمرنا بتعظيم الصفا والمروة وهما جبلان.. جماد.. داخل الحرم.. لا يزيد ارتفاع الواحد منهما على 5 أمتار.. والكعبة نفسها علينا تعظيمها رغم أنها حجارة.. وكذلك الحجر الأسود.
إن من شعائر الله وضع اليد على الحجر الأسود والتمسح به فهو من مناسك الحج.. بعد الطواف بالكعبة.. وبعد الحجر الأسود تكون الصلاة ركعتين عند مقام إبراهيم وهو عبارة عن حجر عليه آثار أقدام سيدنا إبراهيم عندما كان يبنى الكعبة.. نصلى ركعتين تعظيما له.. ثم يكون السعى بين الصفا والمروة وهو المكان الذى سعت فيه السيدة هاجر ليشرب سيدنا إسماعيل.. ثم جبل عرفات.. وهو الآخر مجرد جماد.. نقف فيه ونأكل ونشرب ونصلى.. ثم ننام فى المزدلفة.. ونأخذ حصوة من الأرض.. الكبير والصغير يفعل ذلك.. والغنى والفقير أيضا.. كل على واحد يحصل بنفسه على حجارته.. ليرجم بها الشيطان.. وهو ثلاثة أعمدة خرسانية تشبه المسلات.. وهى أيضا نوع من الجماد.. الجماد.. لكن.. علينا تعظيمها لأن الله أمرنا بذلك وأعتبرها من شعائره.
هل نحن مجانين لنفعل ذلك؟.. لو لم تكن هنالك حكمة من وراء ذلك نكون مجانين.. لو فعلنا ذلك بأنفسنا نكون مجانين.. لكنه أمر من الله.. يعرف الحكمة من ورائه.. فلا يجوز أن نسأل عن هذه الحكمة.. إن عرفنا الحكمة فعلينا وإن لم نعرف فعلينا أيضا.
عندما وقف سيدنا عمر رضى الله عنه أمام الحجر الأسود قال:(( أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك )).. لقد خاطبه سيدنا عمر بضمير أنت ولم يخاطبه بضمير هو.. اعترافا منه به.. وتأكيدا على أنه قام بتقبيله وهو يخاطبه.. وقد اشتهر عن سيدنا عمر شغفه بتقبيل الحجر الأسود كلما دخل الكعبة حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له (( لا تزاحم علي الحجر الأسود يا عمر )).. فقد كان قويا.. وكان حرصه على تقبيل الحجر الأسود يؤلم من حوله.
كان على سيدنا عمر أن يقبل الحجر الأسود دون أن يعرف العلة.. ودون أن يعرف الحكمة من وراء ذلك.. وهو عندما فعل ذلك كشف الله له.. السبب.. رزقه بالمعنى.. فقد كان سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه يقف وراءه وسمعه يقول ما قال للحجر الأسود.. (( أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع )) فجذبه من ذراعه قائلا (( كلا يا أمير المؤمنين يضر وينفع إنى لأشهد أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( الحجر الأسود يمين الله فى الأرض يأتى يوم القيامة وله لسان زلق ( فصيح ) يشهد لكل من إستلمه ( وضع يده عليه ) بحق وصدق فإن الله عندما أخذ العهد على الذرية الوارد فى قوله تعالى (( وإذ أخذ ربك من بنى أدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى )).. هذا العهد ألقمه هذا الحجر.. فمن وضع يده عليه فإنه يجدد الميثاق مع الله.. وفى حديث أخر:(( الحجر الأسود يا قوته من يواقيت الجنة )).. ثم أن كلمة الحجر الأسود لا تعنى اللون الأسود.. ليست إشارة له.. وإنما إشارة إلى السود.. بمعنى السيادة.. أو العظمة.. فنقول فلان سيد أى عظيم وفلان أسود منه أى أكثر سيادة منه.. ونقول عن فلان إنه سيد من أسود .. أى سيد ظهر من هو أكثر سيادة منه.. إن الحجر الأسود معناه الحجر السيد.. الحجر المعظم.. وقد نال تلك السيادة من سيد العالمين الذى قبله وكأنه يقبل يمين الله.. إنه بالفعل يمين الله فى الأرض.. على أننا سواء عرفنا الحكمة أو لم نعرفها علينا طاعة الله فى شعائره حتى لو لم تكن مفهومة لنا.. حتى لو كانت جمادا أو حيوانا.. وكون أننا لا نفهم الحكمة من ورائها لا يعنى أنه لا حكمة وراءها.. وإنما يعنى أن هذه الحكمة غائبة عنا.. ولن يفتح الله علينا فى فهمها إلا إذا نفذنا أوامره وأطعناه دون أن نسأل.
إن التعظيم يمكن أن يكون فى حجر.. فى حصوة.. فى حبة رمل.. فى موضع قدم.. وقد لا يكون فى بشر تاجروا بالدين واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.