مجلة صوت الأمة

26/1/2004

إذا فقدنا الإيثار ساد البوار!

الحكومة على خطأ فهى  تتصرف وكأنها حكومة ثرية.. والناس على خطأ رغم شكواهم من نقص المال

إن الخير كثير .. ولكن.. المشكلة فى إدارته وتبديده.. يقول سبحانه وتعالى ((و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ))

  يتبادل الناس والحكومة الاتهامات.. الناس تتهم الحكومة بالتقصير.. والحكومة تتهم الناس بالتبذير.. الناس تتهم الحكومة بالتقصير فى توفير فرص العمل.. وفى توفير السلع الضرورية بأسعار مناسبة.. وبالإسراف فى الإنفاق العام.. والعجز عن إدارة موارد الدولة بالكفاءة المناسبة لتحقيق مستوى معيشة أفضل.. والحكومة تتهم الناس بالزيادة فى معدل الإنجاب الذى يأكل كل برامج التنمية.. وبالاستهلاك الزائد عن الحد فى الطعام إلى حد إلقاء الكثير منه فى القمامة.. والحقيقة أن كلا الطرفين على خطأ.. فالمشكلة مشتركة..ولا يجوز ضياع الوقت فى تبادل الاتهامات.

  الحكومة على خطأ.. فهى تتصرف وكأنها حكومة ثرية.. مكاتب المسئولين شديدة الفخامة.. سياراتهم التى يدفع الناس ثمنها من عرقهم.. الفساد الذى يعطى فرصة للبعض أن يكسب الملايين على حساب من يحتاج القروش والملاليم.. إعلانات التهاني والعزاء التى تضيع فى المجاملات قد تقترب إلى حد النفاق.. وكبار الموظفين الذين نمد لهم سنوات الخدمة ولا نفك ما يحصلون عليه من أموال بعدد كبير من الشباب فى حاجة إلى العمل وقادر بحكم السن على العطاء.

  والناس على خطأ أيضا.. فهم رغم شكواهم من نقص الأموال لا يفعلون ما عليهم لترشيد إنفاقها.. فالطعام الموضوع على المائدة يكفى أضعاف أضعاف من يجلسون عليها.. ويلقى الباقى في صفيحة القمامة.. ليس هناك أمة غيرنا تترك طعاما على المائدة.. وما ينفقونه على التليفون المحمول يزيد على10 مليارات جنيه فى السنة يحول معظمها إلى الخارج فى شكل عملة صعبة تضاعف من ضعف العملة الوطنية.. ودون استفادة حقيقية من وراء كل المكالمات التى تجرى.. وكأن التليفون المحمول مجرد وجاهة اجتماعية.. ومن باب الوجاهة الاجتماعية أيضا ينفق الناس على الأفراح أكثر مما يجنون .. وربما اقترضوا من أجل هذه المظاهر الكاذبة.. وما ندفعه فى المياه والكهرباء دليل أخر علي أننا لا نستفيد من مواردنا المحدودة.. بل نسرف فيها بلا عائد حقيقى.. أين القناعة؟.. إن القناعة ليست فقط فى الرزق وإنما فى الاستهلاك أيضا.. يقول سبحانه وتعالى((  إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين )) ويقول سبحانه وتعالى (( كلوا واشربوا ولا تسرفوا )).. الإسراف هنا حرام.. استهلاك فى غير موضعه.. استهلاك بلا فائدة.. يقول النبى صلى الله عليه وسلم ((  ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك )) والثلث هنا يعنى ثلث موارد الطعام أيضا.. بحيث يكون لنا الحق فى الثلث والأجيال القادمة لها  الحق فى الثلثين.. ويمكن القول بالنسبة لموارد المياه أيضا.. وعدم تلوث الهواء النقى للتنفس كذلك.. الثلث لنا.. والثلثان لأبنائنا وأحفادنا.. إننا فى هذه الحالة نكون من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة.. والخصاصة أيضا تعنى ألا اشترى من السوق أكثر مما احتاج وان أترك لغيرى شيئا يحتاجه.. تعنى ألا أكدس السلع التموينية مهما كانت الأزمات والإغراءات.

  والأهم من ذلك كله أن أراعى الله فى عملى.. أن أتقنه.. أن أتعامل مع الذين يتقنون عملهم أيضا.. فالعامل الماهر مهما  إرتفع أجره أفضل وأوفر من العامل غير الماهر.. كذلك فإننا أصبحنا شعبا يريد أن يكسب كسبا سريعا دون مجهود حقيقى.. مثل المضاربة على الدينارات العراقية التى ضيعنا فيها بعضا مما نملك من العملة الصعبة وهى قليلة فى الأصل.. إننا شعب يحب أن يكسب بالصدفة.. مع أن الله قال (( وقل  إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )).. الله سيرى عملنا ليكافئنا عليه.. والرسول صلى الله عليه وسلم سيراه ليشفع لنا عند الله بمزيد من الخير.. والمؤمنون سيرونه حتى يتعلموا منه.

  لو فقدنا الإيثار فإن نهايتنا ستكون إلى البوار.. لقد كان سيدنا على رضى الله عنه وزوجته السيدة فاطمة الزهراء صائمين وعندما حانت لحظة الإفطار جاء مسكين فأعطوه رغيفا ثم جاء يتيم فأعطوه رغيفا ثم جاء أسير فأعطوه رغيفا.. لم يفكرا فى نفسيهما.

  هؤلاء هم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. يقول سبحانه وتعالى (( ومن يوقى شح نفسه فأولئك هم المفلحون )).. والنبى نفسه قال(( زاد اثنين يكفى لثلاثة.. وزاد ثلاثة يكفى لأربعة )) وهكذا.. وكل علوم الاقتصاد والاستهلاك الحديثة تؤكد ذلك.. فما هذا الذى نحن فيه؟.. كيف لا نجد العيش نأكله فنقترض من أجل أن نتذوق الكفيار؟.. كيف لا نجد مكانا نسكنه فننفق مليارات الجنيهات على المخدرات؟

  إن الخير كثير.. ولكن المشكلة فى  إدارته وتبديده.. يقول سبحانه وتعالى (( لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)).. فما هى هذه البركات؟.. هل تمطر السماء لحماً وسمكاً وزيتاً وبسكويتاً؟ بالقطع لا.. لكن.. هنالك موارد يهبها الله لنا.. مياه.. بترول.. فنزرع ونربى الأسماك والماشية ونستخرج  الطاقة فنحصل على اللحم والسمك والزيوت والبسكويت.. وهو تفسيرنا أيضا للآية الكريمة (( وفى السماء رزقكم وما توعدون)).

  إننا لن نصعد إلى السماء لنحصل على الرزق.. ولكن المقصود ان السماء هى التى تسبب لنا أسباب الرزق.. مثل مياه الزراعة.. والأراضى الخصبة.. وغيرها..  إنها الأسباب التى علينا أن نأخذ بها ونجد فيها ثم نتقبل النتائج التى قدرها الله لنا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.