كتالوج خاص للتعامل مع علماء الدين ..
الحلال واضح .. والحرام أيضا .. إن القطة التى تخطف قطعة لحم منك تعرف أنها أخطأت فتجرى من أمامك .. بينما ترقد فى حجرك مستكينة .. مستسلمة لو أنك أعطيتها قطعة اللحم بنفسك .. القطة تعرف الحلال والحرام فما بالك بالإنسان .. فتش فى قلبك جيدا ستجد ما تبحث عنه بشرط أن تضمن نقاءه وصفاءه بالإيمان.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه: الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور متشابهات أو مشتبهات فمن وقع فى الشبهات فقد وقع فى الحرام كالراعى يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب.
وحتى نترجم هذا الحديث الشريف إلى لوحة تشكيلية بسيطة تقرب المعنى إلى العقل ليستقر فى النهاية فى بيت القلب نتصور طريقا ممتدا بين مزروعات خضراء .. على هذا الطريق يسير مجموعة من الأغنام .. والأغنام بالطبع تشتهى الخضرة وتحلم بمضغها وإ متصاص رحيقها .. لكن الراعى اليقظ يمنعها من تجاوز حرم الطريق لدخول المزروعات والتعامل معها وهو ما يسبب له متاعب مع أصحابها .. ثم إن يقظة الراعى قد تكون تأمينا للأغنام .. فقد تكون المزروعات مرشوشة بمبيدات سامة تقضى على الأغنام .. لو تصورنا أن الراعى غفل ونام .. ثم غط فى النوم .. ستترك الأغنام الطريق وستنتشر فى المزروعات تلتهمها وتهلكها وتهلك نفسها أيضا.
اللقطة الثانية .. لو تخيلنا أن بعض الناس ممن ليس لهم خبرة فى التعامل مع الأغنام إنتبه إلى وجودها فى المزروعات واجتهد لإعادتها إلى جادة الطريق .. إلى سواء السبيل .. فما الذى سيحدث ؟ .. إن عدم خبرة هؤلاء الناس فى التعامل مع الأغنام سيتعبونهم ويتبعون الأغنام دون أن ينقذوها وينقذوا المزروعات من الهلاك.
اللقطة الثالثة : سنتصور أن رجلا عاقلا قادما من جهة أخرى شاهد ما يجرى وسأل هؤلاء الناس: ماذا تفعلون؟ .. فقالوا له: نعيد الأغنام إلى سواء السبيل .. فقال لهم: ليس بهذه الكيفية .. ثم توجه إلى الراعى النائم فأيقظه حتى انتبه .. وعندما استيقظ الراعى نادى على غنمه فعادت إلى الطريق القويم دون مجهود.
يقول الله سبحانه وتعالى: "ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم" .. فما المقصود بهذا المثل؟ .. إن الخضرة التى على الجانبين (وهى سامة أو ضارة) وتشتهيها الأغنام هى المحرمات. والأغنام هى الجوارح .. اليد .. العين .. اللسان .. وغيرها.
والراعى هو القلب الذى يسيطر على الجوارح ويمنعها من النزول إلى المحرمات حتى ولو بدت خضراء .. مغرية.. فليس كل ما يبرق ذهبا .. وليس كل ما يؤكل يهضم.
أما القوم الذين يحاولون إعادة الأغنام دون فهم وخبرة فهم الوعاظ الذى يحاولون عن طريق الوعظ شفاء المريض .. وليس معنى ذلك أن الوعاظ غير مفيدين .. ولكن فائدتهم مثل الطب الوقائى .. التحذير من المرض قبل الإصابة به .. فائدتهم محصورة فى النهى.. وليس فى التغيير .. التغيير له أطباء غيرهم .. شيوخ وعلماء منحهم الله ما يجعلهم يصلحون القلب ويوقظونه. إن الرجل الذى أيقظ الراعى هو واحد منهم .. هو عالم من نوع آخر .. عالم من العلماء الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم "إنما يخشى الله من عباده العلماء": إنهم ورثة الأنبياء ..هم يعرفون كيف يخاطبون القلوب .. يوقظونها فتنادى على رعيتها, أغنامها وهى ا لجوارح فتستقيم على طاعة الله بعيدة عن الشهوات والمحرمات والمكاره. إن العلماء مثل البطاريات .. مشحونون بالعلم .. لكن هناك بطارية مشحونة بحيث تنفذ بالاستخدام .. تسمى بطاريات جافة .. أو بطاريات ذات شحن محدود .. وهناك بطاريات متصلة بدينامو يعيد شحنها كلما أوشكت على النفاد .. ودينامو الشحن هو المدد الذى يهبه الله لهؤلاء العلماء .. قال سبحانه وتعالى : " واتقوا الله ويعلمكم الله". لكن .. من هم العلماء ورثة الأنبياء .. قال صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" .. فهل كل من قرأ عالم؟ .. هل كل من حصل على شهادة دراسية يعتبر من ورثة الأنبياء .. إن الأنبياء لم يأخذوا علمهم من القراءة .. بل كانوا بعضهم أميا .. ثم أين قرأ الأنبياء؟ .. وعلى أى كتب ودراسات إطلعوا ؟ .. وهل كان هناك علم وعلماء قبلهم حتى يقرأوا لهم؟ .. لقد استمد الأنبياء علمهم من الله .. والعلماء الذين يستمدون علمهم مددا من الله هم ورثة الأنبياء .. وراثة الأنبياء تحددها الطريقة التى تلقى بها العلماء علمهم .. ليس تحصيلا من محاضرة أو دراسة أو جامعة دينية وإنما تلقوه هبة من الله .. يقول سبحانه وتعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا". ويفهم من القول الكريم أن ورثة الأنبياء يطلق عليهم العلماء .. وليس العلماء كما نفهم هم ورثة الأنبياء .. إن العلم هو علم تحصيل .. أو علم مدد .. الأنبياء وورثتهم من العلماء أخذوا علمهم من الله بالمدد .. يقول سبحانه وتعالى: "عبدا من عبادنا أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما" .. هؤلاء العباد هم الذين أخذوا العلم بالهبة لا بالكسب .. والهبة من عند الله .. وليس لها أسباب هى شئ منقطع الأسباب .. يؤتيها الله لمن يشاء .. ومن ثم فإن الأنبياء مقيدون بالشرع بإذن الله .. والأولياء مطلقون بالقدرة بإذن الله .. بشرط تعليق الإرادة .. "يعلق الله ما يشاء من إرادته على إرادة من يشاء من عباده ويفعل الله ما يريد" فمن علم واستطاع فهو مخير .. ومن فقد العلم أو الاستطاعة فهو مسير .. والمخير يحاسب لأنه يعلم ويستطيع .. والمسير لا يحاسب لأنه لا يعلم أو لا يستطيع .. المسير يمسى عبد إرادة .. والمخير يسمى عبد أمر.. لو سقط العلم أو الاستطاعة سقط التكليف .. مثلا أن أعلم بفريضة الحج ولكنى لا أستطيع الأداء فيسقط التكليف .. لا أعلم أن الصلاة فريضة .. عدم العلم يسقط التكليف. والتكليف بتغيير المنكر أيضا يخضع للقاعدة نفسها .. العلم والاستطاعة .. فلو وجدت شرطيا يضرب مواطنا فقد علمت بالمنكر .. لكننى لا أستطيع أن أواجه الشرطى .. عدم الاستطاعة هنا يسقط تكليف تغيير المنكر .. ولا يحاسب على ذلك .. لا يكلف الله أو رسوله أحدا تكليفا يؤدى التقصير فيه إلى المؤاخذة .. إلا إذا توفر لديه العلم والاستطاعة .. العلم وحده لا يكفى .. العلم وحده ليس أداة من أدوات التغيير .. القدرة يجب أن تتوافر إلى جانب العلم. ولا نملك إلا أن نقول فى كل وقت: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم".