صوت الأمة 2/6/2003
قضية تثير نقاشا لا ينتهي : هل خلق رسول الله قبل سيدنا آدم ؟
سنوات طويلة ونحن في السرداب .. كل ما نراه وما نحلم به سراب .. ذقوننا طويلة .. ملابسنا قديمة.. أفكارنا عتيقة .. لم نجرب أن نكسر الأبواب .. أن نغسل الأفكار قبل الثياب .. أن ننفض عن أرواحنا الشقاء والضباب .. أن نستوعب كل كتاب .
منذ ولدنا ونحن محبوسون في زجاجة اللغة المدورة .. فلم نركز من الفقه والشرع إلا على ما يجري في المقبرة .. فهل أصبحت عقولنا محتلة ومستأجرة ؟ .. عشنا في حالة حداد لأن أصواتنا تخرج من حناجر الأجداد .. لم نتصور أن اللغة في حاجة للتحديث .. في حاجة جديدة لشهادة ميلاد . إن كثيرا من الناس يتصورون أن اللغة العربية لغة فضفاضة تهوي التكرار والاستطراد .. هذا خطأ شائع .. وسوء استعمال للغة .. فكل كلمة لها معنى محدد حتى لو تشابهت مع غيرها .. خاصة إذا كانت هذه الكلمة قد جاءت في كتاب الله .. مثلا يختلط الأمر على غالبية الناس بين معنى الكمال ومعني الإتمام .. يقول سبحانه وتعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" .. فما الفرق بين " أكملت " و "أتممت " ؟ . لو أخذنا لتر ماء من بئر في واحة سيوة .. ولتر ماء من بئر في صحراء الفيوم . يكون لدينا لتران من الماء مكتملان من كلتا البئرين ..لكن . لو حللنا كل لتر ماء على حدة سنجد أن أحدهما خال تماما من المعادن الضرورية للجسم فيكون غير تام .. يكون مكتملا ولكن غير تام .. وبنفس المقياس ينقسم أهل العلم إلى أهل إكمال وأهل إتمام .. أهل " أكملت " يعني أهل ظواهر الأمور .. وأهل " أتممت " هم أهل البحث في الجوهر .. ومن ثم فليس كل مكتمل تاماً.. وليس كل تام مكتملا .. أما القرآن فقد جمع بين التمام والكمال,, وقد اختار الله لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم الإتمام على الإكمال .. يقول سبحانه وتعالى : " إن فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما .". الفتح هنا كمال .. والهداية والصراط المستقيم تمام .. ويقول سبحانه وتعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله " .. بمعنى أن الكمال وحده هنا لا يكفي .. والكمال هنا هو أداء الشعائر الظاهرة .. أما التمام فهو النية في التوجه إلى الله وضرورة أن يكون مال الحج حلالا,, ويقول سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام : " وإذ إبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما .". ويقول سبحانه وتعالى : " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .. ويقول سبحانه وتعالى : " نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا " . إن الله إذا أتم نعمته على عبد رأى شرع الله بقلبه وإذا لم يتمها رأى شرع الله بعقله .. ونحن نقول بلغة العسكرية : كله تمام .. السلاح موجود .. الخطة معدة .. الجنود حاضرون .. كل ما هو ظاهر مكتمل ولكن .. الروح المعنوية وحافز القتال هو التمام... ودونهما يصعب القتال وقد يصعب الانتصار. ما هو ظاهر إكتمال .. وما هو باطن تمام .. وكثيرا ما يكتفي الناس بالكمال ويتركون التمام .. وهو ما يجعل بعضهم يتجرأ على حضرة النبي صلى الله عليه وسلم .. فقد أخذوا بظواهر الأمور واعتبروه شخصا عاديا يحتاج كلامه إلى دليل ومراجعة .. وهؤلاء يقولون : ما جاء في القرآن نأخذ به .. وغير ذلك لا نأخذ به .. إن أساس هذا الكلام هو النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنظار العادي الذي ينظر به الناس إلى بعضهم البعض .. ويحدث ذلك على الرغم من أن هناك أشياء تحتاج إلى فهم عميق .. عميق جداً .. لا أحد توقف عند قوله سبحانه وتعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد " .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا " .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " .. أو عند قوله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية حيا وكان الرسل في حكم الموتى فكيف يسألهم ؟ .. أو عند قوله سبحانه وتعالى : " لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد " .. ومعناها أنت أولى بالقسم من هذا البلد .. إن كل هذه الآيات تستوجب الوقوف عندها ولو من منطق لغتنا العربية التى أنزل بها القرآن حتى لو لم نكن من أهل التمام .. حتى لو كنا من أهل كمال اللغة دون أن نكون من أهل تمام المعنى .. كل هذه الآيات أسئلة تحتاج إلى أجوبة لابد أن يلتفت إليها حتى الذين يكتفون بالظاهر ويستمتعون بجمال اللغة .. فالمعاني هي الجواهر .. وحتى نصل إليها لابد أن نوغل في الدين برفق .. الدين متين .. لا أحد يغلبه .. علينا التوغل فيه برفق وتبصر وعدم تسرع وعدم دمج للألفاظ بعضها البعض .. نتعامل مع كل شيء بالتقسيط .. أو بالتنقيط .. عندما يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم " ألم ترك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " فكأنما يسأله عن الكيفية التي حدثت بها عملية القضاء على الأفيال التى هاجمت الكعبة لهدمها .. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم طفلا رضيعا في ذلك الوقت فقد ولد في عام الفيل .. فلماذا يسأله عن كيفية حدوث ما حدث ؟ .. ولو كان أهل مكة قد شاهدوا ما حدث للأفيال التي كانت تحترق أمام أعينهم لكنهم لم يكونوا ليعرفون كيف كان ذلك ؟ .. لم يكونوا ليعرفون التفاصيل الدقيقة .. الطير الأبابيل التي تحمل حجارة من سجيل وبدقة تنشين مذهلة كانت تصيب الهدف : الفيل وراكبه فتحيله إلى عصف مأكول .. والعصف المأكول يعني فضلات طعام مأكول ومهضوم .. إن الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : ألم يحدث أنك رأيت كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ؟ ولو قال أحد إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل ويمكن أن يكون قد سمع ما جرى .. ورغم عدم دقة هذا التصور لأن الذين شهدوا الحادث لم يعرفوا كيفية حدوثه .. فإننا نتساءل عن أية أخرى : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد " .. إن قوم عاد كانوا في زمن قبل زمن النبي صلى الله عليه وسلم .. فكيف رأى صلى الله عليه وسلم ما جرى لقوم عاد وهو لم يكن قد ولد بعد ؟ .. إن التفسير اللغوي للآية يقول : ألم يحدث أن رأيت ما جرى لقوم عاد ؟ .. ألم يحدث أن رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه وهو النمرود .. وكان هو وسيدنا إبراهيم في زمن بعيد عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم.. فكيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن قد ولد بعد ؟ .. والأمثلة كثيرة في الآيات السابقة .. لكننا نتوقف معا عند الآية التى تقول : " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " .. إن أول العابدين هو أول من عبد الله .. وأول من عبد الله لابد أن يكون هو أول من خلقه .. فلا يعقل أن يكون الله قد خلق عبدا ليشرك به .. وهذا هو بالتحديد مفهوم التمام .. رؤية الجوهر لا المظهر .. إن المظهر يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الترتيب بعد آدم بأزمان .. وجاء بعد كل الأنبياء بأزمان .. لكن الجوهر يؤكد أن الله استثنى النبي صلى الله عليه وسلم من الترتيب الزمني للبعثة أو للبعثات النبوية .. فالمعروف إن أول أولى العزم هو سيدنا نوح ثم سيدنا إبراهيم ثم سيدنا موسى ثم سيدنا عيسى عليهم السلام ثم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الله سبحانه وتعالى يقول : " وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك " .. وبعدها يقول : " ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم " .. لقد استثنى الله النبي صلى الله عليه وسلم من الترتيب الزمني للبعثة .. وهو ما يعني أنه سبحانه وتعالى أراد أن يقول : هناك فرق بين البعثة والخلق فالأرواح جميعا خلقت قبل الأجساد ولابد أن تكون هناك أرواح خلقت أولا فما المانع أن تكون روح النبي صلى الله عليه وسلم خلقت قبل الجميع وإلا كيف يشهد على الشهداء وهو لم يحضر زمانهم ولم يرهم ؟ .. منطقي أن يأتي الله من كل أمة بشهيد يشهد عليها فقد كان الشهيد حاضرا ويعرف ما جرى .. لكن كيف يشهد النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الشهداء وهو لم يكن هناك ولم يعش هذه العصور؟ .. يقول بعض السادة العلماء : إن الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد على إخبار الله له فكأنه رأى .. وهو قول لا بأس به .. ولكن هل من الصعب على الله أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال روحا أن يمر بهذه الأزمنة كلها ؟ .. إنه أصلا من صلب آدم وترحل نوره في الأزمنة كلها وشهد على أهلها .. ويشهد على الشهداء الذين حضروا مع أقوامهم .. " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا .". ولابد أن كلمة" هؤلاء "الشهداء هو إشارة للجمع الحاضر .. وإلا كيف يتسنى أن يسألهم كما يقول سبحانه وتعالى: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " . لو نظرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمفهوم التمام والكمال لوقفنا عند حد الأدب خاصة إذا ما وضعنا إرادة الله في الحسبان .. فالنبي لم يخلق نفسه .. ولم يرسل نفسه .. ولم يكن نبيا من نفسه .. ولم يخرق العادة بنفسه .. ولم يفضل نفسه .. بل كل ذلك من الله سبحانه وتعالى .. " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" .. ولكن مثل هذه الجواهر لا تدركها إلا فراسة المؤمن .. واتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .