صوت الأمة 5/5/2003
حقوق الإنسان تبدأ قبل إنجابه!
الحرية هى سفر خارج التاريخ .. خارج حدود الأشياء .. خارج أنفسنا . الحرية هى دخولنا منطقة إنعدام الوزن التى تخلصنا من جاذبية الأرض. ومن ضغط الأشياء علينا .. بالحرية وحدها نفتح ثقبا فى جدار العزلة .. ونكسر باب المعتقل الذى لا يسمح لنا أن نفكر أو نحزن أو نصرخ أو نكتب مشاعرنا على ورقة صغيرة ناعمة.
بالحرية وحدها نقول ما نريد .. لمن نريد .. بالحرية وحدها نصير أكثر إقترابا من الله .. وتصبح السماء أكثر زرقة .. والأرض أكثر خصوبة .. والبشر أكثر إنسانية .. وقد أفزعنى ما سمعت وما رأيت على شاشة التليفزيون من قهر تعرض له الناس فى العراق على يد زبانية النظام السابق للرئيس الضائع صدام حسين .. سمعت ورأيت وتألمت وغضبت ثم تساءلت: هل يرضى الله عن ذلك؟
لقد تحدث الاسلام عن تكريم الإنسان.. لم يقل تكريم المسلم .. يقول سبحانه وتعالى: "ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" ..
إنه تكريم للإنسان مهما كان لونه وجنسه وعلمه وعقيدته .. الانسان الذى إختار منه الله رسله وأنبياءه وأولياءه .. ميزه بالعقل والحواس وتنفيذ رسالته على الأرض .. كل من يؤمن بالله سبحانه وتعالى على إختلاف درجات الايمان ومهما كانت العقيدة عليه أن يحترم إرادة الله .. ويطيعه فى ذلك .. ومن ثم فان الاعتداء على حق من حقوق الانسان مهما صغرت هو تجاوز لشرع الله وإرادته .. وبما أن الله كرم الانسان وفضله على كثير من خلقه بما فيهم الملائكة فلابد أن يكون المؤمن مطيعا لأوامر الله .. مكرما لما كرم .. مفضلا لما فضل .. ولو لم يكن من باب الايمان فمن باب الانحياز إلى الجنس والنوع الذى ينتمى إليه.
وقد إهتم الاسلام بالإنسان قبل ولادته .. فمن حق الطفل قبل ان يولد على أبيه توفير مكان للنوم وطعام لسد الجوع وفرصة للحياة .. بل من حقوق الطفل على ابيه أن يختار الأم المناسبة له .. أن يحسن إختيار أمه .. وأن يكون هذا الطفل من نكاح لا من سفاح حتى يمكن تمييز الأنساب ومعرفة الفروع المنتمية إلى الأصول.
وبعد أن يولد الطفل يكون من حقه على أبيه إختيار إسم مناسب له .. إنها جريمة فى حق الطفل أن تسميه إسما يثير سخرية أقرانه ويفقده اندماجه مع من حوله ..وجريمة أكبر أن نأتى بطفل آخر قبل ان نضمن للطفل الأول كل فرص الرعاية والحياة الكريمة .. إن تنظيم الأسرة من حقوق الإنسان .. فالحياة المؤكدة التى يمثلها الطفل القادم الذى يكون فى عالم الغيب . من حق الطفل أن يتربى جيدا .. من حقه أن ترضعه امه .. فإن تخلت عن هذا الواجب قامت به غيرها . وبعد أن يكبر الطفل .على ابيه أن يعلمه طاعة الله سبحانه وتعالى .. فإن لم يستطيع بذاته فليعهد به إلى من يستطيع .. يقول صلى الله عليه وسلم فى تربية الأبناء" لاعبه سبعا وأدبه سبعة وصاحبه سبعا ثم اترك حبله على غاربه" ولو تعلم الطفل شرع الله فإنه سيحترم كل من حوله.. سيبدأ باحترام جيرانه.. لا فرق هنا بين جار مسلم وجار غير مسلم .. يقول صلى الله عليه وسلم: "مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" .. إن الجار غير المسلم له حق الانسانية.. والجار المسلم له حق الانسانية والاسلام .. .. والجار المسلم ومن الاقارب له حق الانسانية والاسلام والقرابة .. على أن الاسلام بصورة واضحة وحاسمة ودقيقة حرم علينا كل ما لدى غير المسلمين .. فلم يبح سرقة أموالهم ولا الكذب عليهم ولا سرقتهم ولا هتك أعراضهم.. فمثل هذه الكبائر هى حرام إرتكابها دون تفرقة.
يقول سبحانه وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء عسى ان يكن خيراً منهن" .. وقوم يعنى أى جماعة من الناس .. ونساء أى نساء .. ولو لم ينفذ المسلم ذلك الأمر السماوى فإنه يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الفسق .. وربما ما هو أكبر وأصعب وأشد. وحرصا على حقوق الآخرين فإن الاسلام شدد فى العقوبة فى كثير من الأحيان أكثر مما شددت القوانين الوضعية .. فالسارق تقطع يده ولا يسجن .. وهو إحترام لحقوق المجنى عليه .. فصيانة حقوق الانسان النظيف الملتزم أولى من صيانة حقوق المعتدى .. وربما نفهم هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنصر اخاك ظالما أو مظلوما قالوا عرفنا كيف ننصره مظلوما يا رسول الله فكيف ننصره ظالما؟ "قال صلى الله عليه وسلم: " أن تأخذ الحق منه فقد نصرته" .. أى نصرته على نفسه. ومن حقوق الانسان فى الاسلام أن يعيش حياته وله علاقة منفردة بربه .. أى بينه وبين الله .. أسرار هذه العلاقة لا يطلع عليها أحد غير الله .. ومن حقه أن يطمع فى عفو الله .. من حقه أن تكون له أسراره الايمانية و أن تكون هذه الأسرار مصانة عن البشر .. تماما كما هو من حقه أن تكون عوراته مستورة عن البشر وزلاته بينه وبين ربه .. ولايجب أن يتتبع أحد عورة أحد .. يقول صلى الله عليه وسلم:" من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه على رءوس الأشهاد" ولعل ما قلناه عن حقوق الإنسان فى الاسلام هى قطرة من فيض فى بحر لا حدود له ولا سواحل تحده .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.