صوت الأمة 16/12/2002

كيف ترضى عن الله؟

الأفكار السائدة الجامدة الشائعة التى لا يريد أن يتجاوزها أصحابها هى أفكار مصابة بفقر الدم .. أفكار مختوم عليها بالشمع الأحمر .. هى أفكار من خشب جاف .. يأكلها الناس على انها شهد .. وعسل .. ثم يتعجبون عندما تخرج من أفواههم المسامير والشظايا.. إن من يبلغ النار لن يشعر إلا باللهب.

وأشهر الأفكار الخاطئة عن الصوفيين أنهم دراويش .. مهابيل .. مجاذيب .. يقبلون الأمر الواقع ويستسلمون له .. ولا يسعون إلى تغييره .. إن هؤلاء البشر - الذين يهيمون عشقا فى نور الله ويتبعون خطوات رسوله ويتلمسون البركة والشفاعة من أهل بيته الكريم - يرون النهار قبل ولادة نور الصباح .. ويشعرون بطفولة الياسمين قبل ان توضع بذرتها.. وتزدهر أغصانها.

ولأن الفارق كبير بين الأمر الواقع من الله والأمر الواقع من البشر إنهم يؤمنون بأن ما يعطيه الله خير .. وما يمنعه خير .. لو أعطانا الله شكرنا .. ولو حرمنا صبرنا .. وهذا هو الرضا  بالأمر الواقع .. وهو رضا  لا يعنى الاستسلام والخضوع والمذلة .. لكنه يتمثل فى غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام .. لقد كان رسول الله يعد ويجهز للغزو فإذا  إنتصر حمد الله وإذا كانت النتيجة غير ذلك صبر دون أن يقنط من رحمة الله.

قد يفسر البعض التوكل تفسيرا خاطئا.. لكن التوكل فسره النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تعدو خماصا وتعود بطانا" .. إن على الطير  أن تبحث عن رزقها .. لا  أن تظل فى أعشاشها ليأتيها الرزق .. تروح وتغدو وتبذل الجهد من أجله .. لكن  إن لم تحصل عليه فإنها تصبر على ذلك.

إن التوكل هو اتخاذ الأسباب وقبول النتائج والرضا بها.. وهذا هو التوكل الصحيح .. وعدا ذلك لا يعد توكلا.. ويمكن أن نضيف لاتخاذ الأسباب وقبول النتائج والرضى بها عبارة: والفرح بها حسب المرتبة.. فهناك من يفرح بالنقمة كما يفرح بالنعمة .. فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .. وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم .. فالخير قد يتوارى وراء الشر .. والشر قد يتوارى وراء الخير.

وجد سيدنا ابو بكر الصديق رضى الله عنه رجلا يقول: اللهم أرضى عنى .. فسأله: "يا هذا أرضيت عن الله حتى يرضى عنك؟ .. فقال الرجل: وكيف  أرضى عن الله وأنا الضعيف وهو القوى وانا الفقير وهو الغنى؟

فقال الصديق: إن فرحت بالنقمة كما تفرح بالنعمة فقد رضيت عن الله .. إن هذه مرتبة العارفين,,, الفرح بمولود يوم يولد (فرح بالنعمة) .. ولو فرح به يوم يموت .. وبنفس القدر (فهذا فرح بالنقمة) .. هؤلاء هم الذين "رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه" .. صدق الله العظيم .. علينا السعى وليس علينا إدراك النجاح .. وكما يقول المثل الانجليزى : صل  لله ولكن  إجتهد لتصل إلى الشاطئ.

وفى سلة الأفكار السائدة المؤلمة صورة الناس الذين يذهبون إلى المقامات ويزورون أهل البيت ثم تحدث منهم بعض الأشياء التى تبدو غير مستساغة عقلا وعرفا .. كأن يتمسح أحدهم فى سور المقام ..  أو يقبل الضريح .. او الاعتاب .. إن هذه الصورة تفتح جدلا واسعا من النقاش يبدو فى نهاية الأمر وكأنه حرث فى بحر أو طحن لهواء .. وقد يصل هذا الجدل إلى حد الزجر .. وقد يتجاوز الزجر إلى حد التكفير .. فما هو الحكم الشرعى هنا؟.

قبل  أن نشرح ونفسر علينا  أن نعرف أن طلب الحكم الشرعى لا يكون إلا عن أمور تعبدية .. لكن أن نأتى بأمر غير تعبدى ثم ندخله فى الدين أو نقحمه فيه ثم نطلب له الحكم فهو كاللقيط الذى لا يرث .. إن هذا الأمر ليس له فى ميراث الشرع شيئا .. فلا توجد عبادة بالتقبيل .. عدا الحجر الأسود.. فليس كل من يقبل  إبنه يعبده .. وليس كل من يقبل زوجته يعبدها .. وليس كل من يقبل شيئا يعبد هذا الشئ.

ولو كان التقبيل عبادة لتحدد أعدادها ومواقيتها وكيفية أدائها وكيفية قضاء الفائت منها وتحديد عقوبة تاركها .  التقبيل ليس عبادة .. لكنه بلغة العقل أمر لا نأ مر به ولا ننهى عنه .. أمر لا يأمر به عاقل ولا ينهى عنه عاقل ...الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقبل الحجر الاسود لكنه لم يأمر بالتقبيل.. عرفنا ذلك من سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه حينما قال: "ولولا أنى رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك" .. وهذه سنة فعلية.

وقياسا على الحجر الأسود فإن الذى يطوف حول الكعبة إذا غلبه الزحام   ولم يتمكن من تقبيله بشفتيه يكتفى يلمسه بيده ثم يقبل يده.. فإذا منعه الزحام أكثر مما تطول يده وكان فى يده عصا فإنه يلمس الحجر بالعصا ثم يقبل الطرف الذى لمس الحجر .. فإذا منعه الزحام أكثر مما تطول العصا فإنه يشير إلى الحجر بيده ثم يقبل يده.

لقد قبلنا اليد والعصا لنحصل على بركة الحجر الأسود .. قبلنا مثل هذه الأشياء واسطة بيننا وبينه ليس لذاتها .. وهو الشئ نفسه الذى يحدث عندما نقبل مقام ولى او صالح .. نقبل المقام لأننا لا نستطيع ان نقبل صاحبه مع ان التقبيل ليس شرطا للزائر وفى نفس الوقت ليس محرما بنص وما لم يحرم بنص فهو فى حكم المباح وتحريم المباح تشريع بغير نص وحكم بغير ما أنزل الله ولا أزيد (!!!).. ولا حول ولا قوة إلا بالله.