صوت الأمه 9/12/2002
نظرة يا أم هاشم.. مدديا سيدنا الحسين
حياتنا مهما شاخت وعمرت ليست أطول من فيلم سينمائي مثير ما أن ترى اللقطه الأولى حتى تجد نفسك بالقرب من اللقطه الأخيرة فلا تهمل لياقتك الروحية قبل أن تفاجئك كلمة (النهاية) قبل أن تجد نفسك مسافرا مترهلا ثقيلا بلا ثواب إلى خيمة الحساب ..لا تفكر في الخلود على طريقة متاحف الشمع فلا خالد إلا الله.. وكل الملوك والنجوم الأباطرة والحكام صاروا غبارا .. وبقي أولياء الله .. وأصفياء الله.. وأهل الله .. بقي الذين مشوا في طريق الله. والطريق كلمة مشتقة من فعل "طرق" .. طرق.. يطرق فهو طارق يطرق الباب معناه أن يصر ويلح أما الطريقة فهي الدعوة إلى الله لإحياء السنة ونبذ البدعة بالحكمة والموعظة الحسنة وكل طريقة لها شيخ ومريد وأوراد هذه هي مكوناتها والشيخ عالما بكتاب الله وسنة رسوله والمريد لابد أن يكون راغبا في اتباع الشيخ ثم يعرض عليه الصحبة على أن يبصره الشيخ بعواقب الأمر تاركا له حرية القبول أو الرفض ولو أصر المريد على الصحبة وقبله الشيخ وجبت على المريد طاعة الشيخ.. فطاعة المصلي للإمام طاعة مطلقة فهي طاعة من لا يعلم لمن يعلم وهي في حقيقتها طاعة لله تحسن العبادات وتزينها وتضاعف أجرها وتزيد من فرص قبولها عند الله. أما الأوراد ومفردها ورد فهي كل قول أو فعل (من عادة وعبادة) يتكرر بإنتظام فلو شربت كل صباح فنجان قهوة فهذا ورد ولو غسلت أسنانك قبل النوم كل ليلة فهذا ورد ولو قرأت الفاتحة بمجرد أن تفتح عينيك فهذا ورد وعلى ذلك فصلاة الصبح ورد والظهر والعصر والمغرب والعشاء أيضا وصوم رمضان كل عام ورد ولو قمت بدعاء معين عقب ختم المصحف فهو ورد.. كل قول أو فعل منتظم متكرر في موعد ثابت فهو ورد فلماذا لا يستسيغ الناس الكلمة وهم يؤدونها؟.. لماذا لا يستسيغون الاسم مع أنهم يقومون بالفعل؟.. والورد بالنسبة للطريقة هو أدعية يرى الشيخ أنها لازمة للمريد يفوز بفوائدها لو كررها بإنتظام مع مراعاة صحبة ألفاظها وترتيبها ومواقيتها وأعدادها وهي في هذه الحالة تشبه الدواء الذي يعالج به الطبيب قرص واحد بعد العشاء مثلا وليس من حق المريض الإعتراض على الدواء أو الجرعة أو التوقيت فالطاعة هنا لصالحه وطاعة المريض لشيخه هي أيضا لصالح المريد وليست لصالح الشيخ طاعة المريد تحقق له الحصول على أكبر نفع فالله يكافئه على أوراده وأذكاره ويكافئ الشيخ لأنه دل المريد (وهو عبد من عباده) إلى الطريق أو الطريقة لكن لو كان كل أمر في الدين لابد أن يعود في أصله إلى رسول صلى الله عليه وسلم فلماذا تتشعب الطرق وتتعدد ؟.. إن مشايخ الطرق هم أهل النظرة استمدوها من الرسول الكريم ويقول سبحانه وتعالى: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا".. "لا تعد عيناك عنهم".. هذه هي النظرة التي يأخذها المشايخ من النبي ليأخذها المريدون منهم وبعد النظرة يكون المدد وكل مريد ليس له شيخ ولا يتبع طريقة لا يسمى مريدا وكل الطرق مستمدة من أصل واحد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هو مدد الطرق كلها.. فلماذا تتشعب الطرق؟.. لو أن مجرى نهر النيل ضحل فلا يمكن أن تشق منه ترع وقنوات ورياحات ومصارف..النهر الضحل لا يقدر على تغذية ذلك كله لا يقدر على امدادها بالمياه كلما زادت غزارة النهر تشعبت الترع وزادت القنوات وسمنت الرياحات إن كثرة الترع تدل على وفرة الأصل وكثرة الأبواب تدل على سعة المكان وكثرة الاسماء تدل على شرف المسمى وكذلك تشعب الطرق يدل على كثرة المدد الإلهي على المدد المحمدي الذي يكفي بإذن الله جميع الطرق ولو تشعبت إلى مئات المئات لو كان المدد كبير فلا خوف.."وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر مباشرة أو رشفا من الديم" فلا ينكر عاقل أن الماء في النيل نفس الماء الذي في الترعة وهو نفس الماء الذي في الحنفية والصهريج وفي الطرق المتشعبة نسمع كلمة نظرة ونسمع كلمة مدد والنظرة تسبق المدد فالنظرة تذوق.. والمدد طمع في مزيد من التذوق: "نظرة يا أم هاشم" مدد يا سيدنا الحسين" فهل يجوز للإنسان أن يطلب من إنسان ذلك حيا كان أو ميتا إن استقر في العقيدة أن الفعال هو الله فإن كل ما يجري على اللسان يحمل عدم الجواز العقلي الله ينظر إلى القلب قبل أن يسمع اللفظ فباي لغة يمكن أن ندعو الله ليس شرطا أن تكون لغة عربية يمكن أن يدعوه باللاتينية أو الصينية أو الهندوسية ولا يؤاخذ الله من دعاه له في خطأ في التشكيل أو الأعراب ولو أجاز الله ذلك يجوز له أن يتجاوز عن اللفظ غير المقبول وغير المنطقي كيف يدعو الأخرس ربه وهو لا ينطق صوابا ولا خطأ؟ ورد في البخاري ومسلم أن رجلا شردت عليه دابته وعليها زاده....... فلما أستيقظ وجدها ففرح بها وقال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) من شدة الفرح بها قلب الآية قال صلى الله عليه وسلم "اللهم أشد فرحا بتوبة أحدكم من ذلك الرجل الذي أذهبت الفرحة قدرته على التحكم في اللغة" والمعنى أن فرحة الله بتوبة عبد من عباده تفوق فرحة الرجل الذي أخطأ في النطق فالله يحاسب على ما في القلوب. ويقول سبحانه وتعالى: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل أرجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنة فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وأرتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور ، فاليوم لا يأخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير" يوم القيامة يقول المنافقون للذين آمنوا أنظرونا أي نظرة يقتبسون فيها من نورهم .. لكن طلب النظرة تأخر فات موعدة لم يطلبوا في الوقت المناسب (في الدنيا) عندما ركبهم الغرور وسخروا من الذين آمنوا كما في قوله سبحانه وتعالى: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم أنقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون" هذه هي النظرة سلعة عرفنا أهميتها باحتياج المنافقين إليها يوم القيامة وهو يوم جزاء بلا عمل فمن أراد شيئا ينفعه في الآخرة فليأخذه من الدنيا تماما مثل المعطف الذي نتذكره في الدفء ونحمله معنا لنواجه به البرد فماذا يحدث لو توجه مؤمن أو مسلم إلى الأولياء وقال لهم: انظرونا نقتبس من نوركم في الدنيا في الوقت المناسب قبل "يوم يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه" .. إن من طلب النظرة قد إتقى وأعد العدة لذلك اليوم العصيب من طلبها يجد أثرها نور يشعر به القلب فإذا وجد القلب للنور حلاوة من أثر النظرة فإنه يطلب المزيد يطلب نظرة بعد أخرى وهذا هو المدد فيتغير الحال من فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه إلى قوله تعالى: "الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين". لذلك يجب أن نصحح للناس الذين يقولون: مدد نقول النظرة أولا إذا وجدتم لها في القلب حلاوة وفي النفس طمأنينة وفي الغيب أملأ في رحمة الله عندئذ يحق أن نطلب المزيد والمزيد أي المدد لنكون من الذين يدعون ربهم خوفا (هذه هي النظرة) طمعا (هذا هو المدد) ومما رزقناهم ينفقون ولا حول ولا قوة إلا بالله.