صوت الأمة 18/11/2002
هل يعرف الصوفيون الغيب؟
ولعل الصوفي هو الأكثر إحساسا وإيمانا بذلك رغم الأفكار الخاطئة الهائمة السائدة غير المتسمة بالدقة عن الصوفية مثل رفع التكاليف وأهل الحظوة والقدرة على شفاء الأمراض ورد الغائب إلى أهله وتحقيق الكرامات وغيرها إن هذه العبارات صحيحة ولكن الخلاف كالعادة على المعنى ولنبدأ بمعرفة الغيب ومعرفة الغيب باب واسع فلا يعلم الغيب إلا الله ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يطلع أحدا من خلقه على غيبه فلا حرج على فضل الله.. يقول سبحانه وتعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا" ربنا يعلم الغيب ولكن هناك إستثناء يمنحه إلى من إرتضى من رسول. والغيب أنواع هناك"" غيب الشهادة "وهو أبسط أنواع الغيب كأن تعلم ما في جيبك من نقود ولا يعلمه جارك كأن تعلم ماتفكر فيه ولا يعلمه غيرك.. ما تعلمه أنت وغاب عن الآخرين هو بالنسبة إليك شهادة ما أمامك ... وشهادة ما وراءك غيب ... لو كنت تقود سيارتك ما تراه أمامك شهاده وما خلفك غيب لن يصبح شهادة إلا إذا كانت هناك مرآة تنظر فيها لترى ما وراءك وغيب الشهادة لا علاقة له بإيمان أو كفر مستوى عادي جدا من معرفة الغيب. كانت هناك غيوب شهادة لم يكن متاحه للإنسان أن يعرفها لكن تيسير العلم أتاحها إننا لم نكن نعلم ما في بطن الأم الحامل بالعين المجردة: ولدا أم بنتا؟ لكن جاء السونار ليحدد لنا ذلك وايضا كشفت لنا الأشعة ما كان مجهولا بالنسبة لنا في داخل جسم الإنسان ..الأمراض والكسور ..كذلك كشف لنا الرادار الطائرات والسفن البعيدة التي لا نراها بالعين المجردة إن ذلك علم غيب يسره الله لنا من خلال هذه الأجهزة. وإذا كان الله قد أطلع عباده بواسطة هذه الأجهزة على مستوى معين من الغيب فإنه قادر ولا شك أن يجعل بعض عباده في حد ذاتهم أجهزة شفافة تكشف بقدرته ما يشاء من غيب لا يتاح لغيرهم.. يقول صلى الله عليه وسلم: "إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". من الذي أطلع سيدنا عمر بن الخطاب وهو على منبره في المدينة أن سارية محاصر بالشام وأن النصر لن يكون إلا باعتصامه بالجبل؟.. لقد كشف الموقعة كلها ثم نادى: يا سارية الجبل"وسارية وسط صخب المعارك وصهيل الجياد وصليل السيوف سمعها وميز صوت صاحبها؟..فلما عاد سارية من المعركة سئل سيدنا عمر قال: "كلمات أجراها الله على لساني" وهي فعلا كذلك أطلعه الله على غيبه وأنطقه بالحل وسمع سارية النداء إذن هي فراسة المؤمن تكشف الغيب أحيانا بإذن الله. هناك أشياء معينة نعرفها كبشر شركة الكهرباء تعرف استهلاكنا من الكهرباء شركة التليفون المحمول تعرف ذلك بواسطة الكمبيوتر لكن الكمبيوتر لا يعلم الغيب لكنه مبرمج على أداء هذه الوظيفة وغيره من أجهزة صنعها الإنسان لكشف بعض مما لا نعرف ولكن ذلك ليس كشفا إلا لغيب محدود في نطاق البشر أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخبر المؤمنين بفتح مصر وقبل أن يحدث ذلك على أن لا أحد يعلم الغيب بنفسه أو بذاته أو بقدرته لكن بمنحه من الله .. الله يعلم من يشاء ولا حرج عليه. لا قدرة لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي من أهل الحظوة على شيء من هذا كله .. ولكن القدرة لله سبحانه وتعالى .. الله هو الذي أعطى الكلب البوليسي حاسة الشم التي تكشف اللصوص وهو ما لم يمنحه الضباط الكبار هو الذي منح الكلاب القدرة على التنبؤ بالزلزال وهو ما لا يعرفه علماء الجيولوجيا لا أحد يعلم إلا ما علمه الله.. ولا حدود لما يعلمه الله. لكن هناك غيبا أخر يسمى الإرادة وهو الذي أخبر به الله وملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة وقالوا: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لقد عرف الملائكة الغيب.. علموا بأن البشر سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء قبل أن يخلق آدم وقبل أن تتكاثر ذريته على الأرض وقبل أن يحدث شيء مما قالوه. وهناك غيب يسمى "الإيمان" وهو المستوى الأعلى من الغيب وهو غيب يكشفه الله للمستوى الأعلى من خلقه.. الدليل على ذلك قصة سيدنا موسى والخضر.. لقد راى ركاب السفينة (التي خرقها الخضر) ما لم يره غيرهم رأوها وقد خرقت وهو غيب شهادة ورأى موسى الخضر وهو يخرقها وهو مستوى أعلى من الغيب فموسى يعلم من خرقها ولكن المستوى الثالث والأعلى من الغيب هو ما رآه الخضر.. الحكمة من خرق السفينة هي الحفاظ عليها لأهلها وحمايتها من المصادرة لحساب الملك الذي كان لا يصادر سوى السفن السليمة ويمكن القول بالتفسير نفسه في قتل الغلام.. وإقامة الجدار.. وباقي القصة مشروح بالتفصيل من قبل. وهناك ايضا غيب يسمى "الغيب المحمدي" وهو خاص بمنزله ومرتبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخلق وبه سمي رسول الله غيبا في قوله: "وما هو على الغيب بضنين".. بمعنى أن الله لم يضن على رسوله بشيء مباح لخلقه غير أن هذا النوع من الغيب يدخل في الاستثناء فلا يظهر على غيبه (منزله رسوله) أحدا إلا من إرتضى من رسول إذن هذا النوع من الغيب ممنوع مع التشديد ومسموح استثناء لمن ارتضى الله من رسول. غير أن هناك نوعا من الغيب استأثر الله به لنفسه ولم يطلع عليه أيا من خلقه حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا النوع من الغيب يسمى "الغيب المطلق" وهو محور الآية: "لا يعلم الغيب إلا الله" .. وهو متعلق بكنه الذات العلية أي الصفات الذاتية حتى إن من يدعي علمه يكون من المشبهين أو المصورين الذين هم في النار وهو الذي حذر الله منه "ويحذركم الله نفسه".. وذلك رأفة ورحمة بالعباد.. "والله رءوف بالعباد" لأنه لا طائل من وراء الخوض في هذا النوع من الغيب إلا الوقوع في المحظور وعدم التنزيه ولله المثل الأعلى.. "وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون" وهذا بيان للمسموح والممنوع بإذن الله وقدرته فليس كل غيب يتساوى مع الغيب الآخر من حيث النوع والإباحة والتحريم. خلاصة القول: كل الغيوب لا يعلمها إلا الله ولكن هناك غيوبا يسمح بقدرته لخلقه بمعرفتها: غيب الشهادة غيب الإرادة غيب الإيمان الغيب المحمدي وهناك غيوب لم يسمح بها: الغيب المطلق .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.