مجلة التصوف الإسلامى
نوفمبر 2006
البعث ( إلى – على – من – فى )
بفرحة مزاجها الحبور بصومة فى سيد الشهور مرجوه للبعث والنشور والفوز بالجنات والقصور . . التقيت بسماحة الإمام ثم أما بعد أن تفضل سماحته برد السلام.
قلت يا مولانا الكريم ما البعث ؟
قال سماحته : البعث هو الإحياء من الموت لقوله تعالى : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) .
قلت : ثم ماذا ؟
قال سماحته : البعث هو الإستيقاظ من النوم وخاصه الطويل كما فى قوله تعالى عن أهل الكهف ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ) .
ثم بعد ذلك يقول ربنا ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ) .
قلت : ألا يسمى الموت رقوداً كما هو الحال فى قوله تعالى : ( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) ؟
قال سماحته : نعم , ثم إستطرد يقول وقد يكون البعث إرسالاً كما فى قوله تعالى :- ( فبعث الله غراباً يبحث فى الأرض ) وهو ما يعطى دلالة الإرسال .
قلت : يعنى ربنا بعث الغراب إلى إبن آدم ليريه كيف يوارى سوأة أخيه ؟
ثم قال سماحته : نعم .
قلت : الآن عرفنا معنى بعث إليه وبعثه من النوم وبعثه من الموت بقى أن نعرف من سماحتكم الفرق بين بعث على وبعث فى .
قال سماحته : هذه دقيقه لم يضيع العلماء وقتهم فيها خاصه فيما بنقل عنهم كتابه حتى لا يشق ذلك على من يقرأ لهم ما كتبوا لأن هناك من العلم ما يمكن نقله وتداوله فى الكتب . وهناك أيضاً من العلم ما لايمكن نقله ولا تداوله فى الكتب وإنما يؤخذ تلقيناً . فيا بنى ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال جاء أوانه ولا حضر أهله ثم سكت سماحته طويلاً وكأن اللقاء بيننا قد إنتهى جلالياً جداً . . ثم إنطلق أذان العشاء من المئذنه المجاوره فبعث الروح فى الحاضرين فإخذنا نردد الآذان خلف المؤذن ثم صلينا على سيدنا رسول الله والمؤذن لم يصل عليه وكأنما حرم ذلك على المؤذنين . ثم أمر سماحته بالإستعداد للصلاه فقلت له يا مولانا لازلنا فى مجلس علم لم ينته بعد ثم قال الشيخ : أما بخصوص بعثنا على وهو ما ورد فى شأن بنى إسرائيل إذ قال لهم ربنا ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد ) واضح من الآيه أن البعث هنا ليس بعث إحياء من الموت ولا بعث إيقاظ من النوم ولا هو بعث تعليم كالغراب وإنما بعث قتال الغلبه فيه للمبعوث ولذلك وردت بلفظ بعثنا عليكم أى هم الأعلون وهم الغالبون وهم المؤيدون بالحق المنصورون به لذلك فهو بعث مختلف عما قبله وما بعده . قلت : الآن شعرت بصعوبة السؤال عن معنى بعث ( فى ) الوارده فى قوله تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته وقوله تعالى " ( هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمه وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) .
أليس فى ذلك صعوبه .
قال سماحته : لا سهل إلا ما جعلته سهلاً .
والأمر ببساطه شديده جداً أن القول أبعثك يعنى أرسلك أوأوقظك أوأجيبك والقول أبعث عليك أى أسلط عليك وهو للعقوبه عموماً .
أما القول أبعث فيك أى أنبه أوأوقظ أوأحيى أوغير ذلك قلت : كما هو الحال فى ظهور الثمره من الشجره ؟
قال الشيخ : لا فهذا معناه ( بعث من ) أما موضوعنا فنكمله فهو يشبه بعث الشعر فى الرأس والجسم وبعث الأظافر والأوقع بعث الرجوله فى الشاب بعد أن كان صبياً وبعث الأنوثه فى الشابه بعد أن كانت صبيه لا أنوثه فيها , فالرجوله والأنوثه لم تبعث إلى ولا تبعث على ولا تبعث من وإنما تبعث فى , وعلى هذا المعنى يكون الأميون هم المهيأون للرساله والنبوه وهم المؤمنون سليقه وفقد خلقوا وفيهم جاهزية هذا الأمر .
فإذا أراد الله فى أى وقت إظهار النبوه أوالرساله فإنه يبعث الكامن من صفات النبوه والرساله وهى الخصائص الكامنه فى الإنسان المعد سلفاً ليكون كذلك ( ولياً – نبياً – رسولاً ) ولما كان سيدنا رسول الله هو صاحب إكسير النبوه والرساله والخلافه عامه فإن أية صفه من ذلك كله إنما تبعث منه فيهم ولا تبعث به فيهم ولكن من يبعثها ؟
( هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم . . . . ) الآيه .
وقولنا عن الجاهزيه أوالتهيئه أنها الأميه ولكى تفهمه خذ هذا المثال :
- إذا تم عمل التحاليل الطبيه للرجل فثبت أنه جاهز للقيام بدوره أو المرأه ثبت أنها صالحه لأن تكون أماً فهذا يعنى الأميه ولكن لا تكون الأمومه إلا بعد أن يتحقق ذلك على الواقع وكذلك عندما يتم إختيار الأئمه ويثبت صلاحيتهم للقيام بدور الإمام فهذه أميتهم للإمامه ولو لم يمارسوها فهم فى أميتهم حتى تظهر إمامتهم وعلى ذلك فكل شىء يصلح له الإنسان ولم يظهر بعد فهو أميته وإستعداده فإذا ظهرت أخذت المشتق من المصدر .
قلت لا حرمنا الله منكم سيدى الكريم وإنى أسألكم صالح الدعوات لقراء هذه هذه الماده حتى نفهمها سوياً فلا خير فى ما علم إذا لم يعلم ولا خير فى ما كتب إذا لم يقرأ ولا فى ما قرىء إذا لم يفهم .
اللهم إجعل الخير فى ذلك كله وفى مشايخنا والحاضرين ولا أوحش الله منك يا شهر الصيام .
والسلام عليكم
وعليكم السلام
مريد