مجلة التصوف الإسلامى
إبريل 2006
ورد ولم يرد
" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فإنتهوا "
بفرحة المستبشر بمولد المدثر المأمور بقوله ( ولا تمنن تستكثر ولربك فأصبر ) , التقيت بسماحة الإمام وبعد تفضله برد السلام .
قلت : مولانا الإمام زادكم الله علماً وزادنا الله بكم . ما قول سماحتكم فى الإحتفال وإظهار الفرحه بمولد النبى ( صلى الله عليه وسلّم ) وما هى الصيغه الوارده على سبيل الأمر القاطع للإحتفال ؟
قال سماحته : إن إظهار الفرحه لا يأتى بالأمر، وإنما يحدث للإنسان عندما يقع له أمر مفرح، وكذلك الحزن لا يأتى بالأمر , وإنما يحدث للإنسان كرد فعل إذا وقع له أمر محزن ,
والإنسان الذى يفرح بالنعمه ولا يحزن لا وجود له على ظهر الأرض ، لأنه عندئذ يكون مخلوقاً بغير مشاعر , ولا ضوابط على الفرح والحزن إلا مراعاة ما نهى الله عنه عند الفرح ، بتجاوز الحدود ، أوإرتكاب المنكرات، ولا مؤاخذه على الفرح البرىء فى نطاق الشرع , ولا ضوابط للحزن إلا فى حدود مراعاة ما نهى الله ورسوله عنه، من شق الجيوب ولطم الخدود والدعاء بدعوى الجاهليه , أما أن تدمع العين، ويخشع القلب ، ولا يقال ما يغضب الرب ، فهذا هوالإستثناء وتلك هى الضوابط .
فقلت : يا مولانا كثيراً ما نسمع من يقول فى كل مناسبه أن هذا الأمر لم يرد .
فضحك سماحته وقال : إن قولهم ( لم يرد ) فيه إخبار منهم وإقرار على الإباحه , والإباحه لا تعنى الإباحيه , فما أحله الله فى كتابه فهو حلال ( وهذا مما ورد ) وما حرم الله فى كتابه فهو حرام ( وهذا ما ورد على سبيل الحصر ) , وما تركه الله فهو عفو لكم ، لم يتركه نسياً ثم قرأ النبى ( صلى الله عليه وسلّم ) " وما كان ربك نسياً " وهذا المتروك هو الذى لم يرد , والمشرع الحكيم سبحانه أعلم بأحوال عباده أكثر من علم عباده بأحوال بعض، وهو أرأف وأرحم وأعلى وأعلم , فما أنزل على نبيه القرآن ليشقى، وإنما هو تذكرة لمن يخشى وهو تنزيل ممن خلق الأرض والسموات العلى .
قلت : يا مولانا هل كل أمر لم يرد به تفصيل يعتبر متروكاً لأريحية الفاعل ؟
قال سماحته : نعم بل والأكثر من ذلك أنه متروك لأن يفعل أولا يفعل .
قلت : هل لأريحية الفاعل والتارك ؟ .
قال سماحته : ما لم يرد فإن حكمه فى الفعل والترك سواء , ثم قال سماحته إعلم يا بنى أن الحرام ما ورد به نص تحريم والحلال ما ورد به نص ( أحل لكم ) أولم يرد به نص تحريم , وإعلم أن الدين علاقه بين العبد وربه، فإذا وسع الله على عبده فلا مجال لمخلوق أن يضيق ما وسعه الله ،ثم تلا سماحته قول الله تعالى " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده " .
قلت : صدق الله العظيم وأسمح لى إذا لم يكن هذا تجاوزاً منى , فأنا كما تعلم سماحتكم لا أجيد التعبير .
قال سماحته : قل ما تريد بغير تصغير ولا تكبير .
قلت : لماذا عندما نلتقى بالساده الصوفيه نشعر أن الدين سهل ونحن محمولون عليه وعندما نلتقى بغيرهم نشعر أن الدين صعب وأنه حمل ثقيل .
قال سماحته : أما قرأت قوله تعالى " ونيسرك لليسرى " وقول النبى ( صلى الله عليه وسلّم ) : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " ,
وهذا معناه أن العلماء يأتون من عندياتهم بأحكام يسيره بما تشبه البقشيش ولكن الساده الصوفيه يسرهم الله لليسرى ورزقهم حسن الظن بالله .
قلت : ما معنى حسن الظن ؟
قال سماحته : إن حسن الظن بالله يقتضى أن تؤمن أن الله قادر على أن يعاقبك ،وهو سبحانه وتعالى قادر على أن يعفو عنك , فمقدرته سبحانه على العفو أشد من مقدرته على العقوبه , وقد سبقت رحمته غضبه , فبدلاً من أن تقول اللهم إنك قوى عزيز منتقم فإنتقم منى – والله لا يحب ذلك – يجب أن تقول اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنى، وهذا مما يحبه الله , فمن الناس من يتعامل مع الله بالمفهوم الأول وهذا له وجه، كأنهم يقولون اللهم إنك قوى عزيز منتقم فإنتقم من عبادك، أما الساده الصوفيه فمدخلهم إلى الله قولهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عن عبادك , والله سبحانه وتعالى يحب من يحبب الله فى عباده ويحبب عباد الله إلى الله ، وإن الله لا يبسط يده بالليل لينتقم من مسىء النهار، ولا يبسط يده بالنهار لينتقم من مسىء الليل وإنما يبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ، ويبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار وهو سبحانه وتعالى لم يتنزل فى الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ليقول هل من مذنب فأنتقم منه، وهل من مخطىء فإصب عليه جام غضبى ، وإنما يتنزل فى الثلث الأخير من الليل فيقول هل من تائب فأتوب عليه , هل من مستغفر فأغفر له , هل من كذا , هل من كذا , واعلم يا بنى أن شيوخ الصوفيه هم أبواب الرحمه التى يلجأ إليها كل خائف من العقوبه ، أويائس من رحمة الله ، أوظان أن ذنوبه أكبر من أن تغفر . وهنا يأتى دور الشيوخ فيعرفونه برحمة الله ، وأن الله يفرح بتوبته ورجوعه إليه , فقد ورد فى الصحيحين أن الله أشد فرحاً بتوبة أحدنا من رجل شردت عليه دابته وعليها زاده وماؤه فلما يئس منها غلبه النوم فلما أفاق وجدها وعليها زاده وماؤه , فقال لشدة فرحه : اللهم أنت عبدى وأنا ربك .
قلت : هل كفر ذلك الرجل ؟
قال سماحته : بل كفر من كفره , لأن من يكفره تدخل فى العلاقه الخاصه جداً بين الله وعبده وتعدى حدود الله " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " .
قلت : لا شك أن أهل سعة العلم يتمتعون بسعة الرحمه وهم أهل التيسير رزقنا الله بصحبتهم وحسن التلقى عنهم إنه سميع مجيب . فهل تأذن لى بلقاء قريب ؟
قال سماحته : تعودنا على اللقاء كل شهر .
فقلت : كأنه الدهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .
والسلام عليكم . . . . عليكم السلام مريد